عاجل

البث المباشر

حلمي النمنم

كاتب مصري

الإسلام السياسى والمعركة الصفرية

حين ظهر الإسلام فى مكة قُوبل باعتراضات شديدة، لم تكن الاعتراضات فى جوهرها على شخص النبى محمد- صلى الله عليه وسلم- فقد كان مشهوداً له بينهم بالأمانة وبالصدق، تركزت الاعتراضات على ما جاء به من التوحيد الخالص وما يترتب عليه فى العلاقات الاجتماعية وموازين القوى فى المجتمع المكى وتأثيره على دخل أثرياء مكة ومكانتهم، ولم تكن الاعتراضات كلها مجرد جدل فارغ أو سفسطة كلامية، ولكن كانت بها آراء جادة وعميقة تعبر عن هم وانشغال حقيقى بما جاء به النبى وما يدعوهم إليه، وقد تولى «الوحى» الرد على تلك الاعتراضات وحسم كثير من الأمور بشكل قاطع، ومن يقرأ القرآن الكريم بتمعن يجد أنه رصد ذلك الحوار والجدل بين النبى ومخالفيه وبين النبى وأصحابه أنفسهم، ومع فتح مكة سقطت تلك الاعتراضات ودخل الجميع فى دين الله، ومن لم يشأ الدخول فى الدين خرج من مكة، ودخل الإسلام مرحلة جديدة وانطلق خارج مكة والمدينة إلى الجزيرة العربية كلها وإلى الأطراف حيث بلاد الشام، غير أن وفاة الرسول وظهور المرتدين دفع باعتراضات وشكوك جديدة، وهنا لم يكن «الوحى» ينزل، فكان لابد من الاجتهاد فى الرد والنقاش، وضرورة التفقه فى الدين فضلا عن الحسم على الأرض، وأمكن لأبى بكر الصديق أن ينهى تلك المرحلة.

تجدد النقاش بشكل أكثر حدة وعنفا زمن على بن أبى طالب، حين جرت موقعة الجمل ثم صفين من بعدها، فى المعركتين كان المتقاتلون فى الميدان من المسلمين، وعلى رأس كل فريق عدد من الصحابة الكبار، وبلغ عدد القتلى فى المعركتين أكثر من تسعين ألفا، وزاد بعض المؤرخين فى الأرقام، ويكفى أن موقعة الجمل كان فيها أم المؤمنين السيدة عائشة زوجة رسول الله، ومعها طلحة والزبير من كبار الصحابة فى مواجهة على بن أبى طالب زوج ابنة الرسول، وترتب على هاتين المعركتين القاسيتين ظهور الخوارج وذيوعهم، هنا كان الجدل وكان التباين من داخل الإسلام ذاته، حول فهم الدين وتفسير نصوصه المقدسة.. وهدأ الجدل زمن الأمويين لكنه لم يتوقف وامتد إلى زمن العباسيين، حتى ظهرت حركة الزنادقة وأنشئ فى بغداد ديوان خاص للرد عليهم والتعامل معهم.. ثم طويت الصحف وأغلقت المعارك الكلامية والعقائدية، وانشغل الناس بما يمكن أن نسميه الإسلام الثقافى والحضارى، أما النقاش حول أمور العقيدة والوحى وكلام الله وصفات الله والقضاء والقدر، كل هذا لم يعد مطروحا على العامة، وظل خاصا بالعلماء والفقهاء فيما بينهم، وفى رسائلهم وكتبهم، وتراجع الجدل بين العلماء أنفسهم، فلم يعد الواقع يفرضه ولا يتطلبه، واقتصر انشغال الفقهاء فى حالات كثيرة على القضايا والأمور البسيطة التى تقابل الناس يوميا، واستمر الحال هكذا حتى داهمنا العصر الحديث، فقرر عدد من العلماء والفقهاء فتح مجال النقاش فى الأمور المسكوت عنها، ولم يكن الهدف منها المساس بالدين ولا بالعقيدة بل السعى نحو تجاوز التأخر والحد من الاستبداد العثمانى، ثم ظهر الإسلام السياسى، فإذا بمنظريه يتركون الفقه والعلم ومسيرة قرون ويذهبون إلى النصوص مباشرة يتعاملون معها، ورددوا أن القدماء كانوا رجالا ونحن أيضا رجال، والحق أن المعيار لم يكن الرجولة بل كان التفقه والعلم ومراعاة المصلحة العامة، وهذا ما أهدره كله أولئك المنظرون، وإذا بهم يدخلون كل المناطق الشائكة ويجددون الجدل القديم، ودفع النصوص دفعا لتساعدهم على قتل مخالفيهم وإهدار دمائهم وتحقيق أغراضهم السياسية، وربما يكون تفسير سيد قطب «فى ظلال القرآن» هو نموذج لذلك التعامل مع النصوص والآيات القرآنية، فلا إحاطة بأسباب نزول الآيات وتجاهل تام لهذا الجانب ولا رجوع للتفاسير السابقة والفهم المتعدد والمتباين لكثير من الآيات، هو اعتمد بشكل أساسى على تفسير ابن كثير وحده، وأطلق العنان لذائقته الأدبية وهواه السياسى يحرك الآيات القرآنية الكريمة حيث يريد هو من تكفير الآخرين واستباحة حياتهم ودمائهم. وأبهر ذلك بعض الشباب فانجروا معهم فى طريق العنف والإرهاب، حيث اعتبروا آراءه «مانيفستو» خاصا بهم، لكن ذلك أثار قلق كثير من الشباب أيضا، وذهبوا إلى المواقع والمواضيع التى يتحدث عنها هؤلاء، فإذا بكثير منهم يخرج ولديه فزع من الإسلام وخوف منه، فكان أن أنكره بعضهم، موثقا إنكاره ببعض الوقائع التاريخية، وبعض النصوص المجتزأة من سياقها ومن ظروف تنزلها أو أسباب النزول.

ورغم أن القرآن حمّال أوجه، كما قال على بن أبى طالب، إلا أن هؤلاء وقفوا فيه عند الوجه الذى ارتآه وقدمه سيد قطب، ومن سار على دربه، هؤلاء ضيقوا سعة النص الدينى وتجاهلوا غناه وثراءه وقدرته على احتمال العديد من صور الفهم، والغريب أن القرآن الكريم يُقرأ على سبعة أحرف وبسبع قراءات، لكن هؤلاء اعتمدوا تفسيرا واحداً له، وانطلق المحبون لهذا التفسير يعيثون فى الأرض عنفا وإرهابا، والرافضون له يعلنون الرفض والإنكار للنص ذاته وليس لذلك التفسير.

ولم يقف الأمر عند هذا التفسير لكنه امتد كذلك إلى وقائع من التاريخ الإسلامى الأول.

تأمل- مثلا- لحظة إحراق داعش للطيار الأردنى «معاذ الكساسبة»، لقد بثوا المشهد الجهنمى، ومع فتوى من ابن تيمية وحكايات عن أبى بكر الصديق وخالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب تجيز لهم جريمتهم، فإذا بنقاش يثور على بعض المواقع ينتهى إلى اتهام الصحابة الثلاثة بالعنف والإرهاب، وانسحب الاتهام على الإسلام كله، وهؤلاء هم الجناح العقائدى من الملحدين بيننا.

والمشكلة أننا لم نقرأ- إلا قليلا- ردودا علمية وفقهية قوية على ما يقول به دعاة الإسلام السياسى فى مجال تأويل وتفسير بعض الآيات القرآنية الكريمة وبعض الأحاديث النبوية، ومعظم الردود تكون خجولة ومتحرجة وتعكس تردد أصحابها، وموقفا دفاعيا محدودا لا يسعى إلى طرح التصور البديل لشكل الحكم والتعامل مع المخالفين والمختلفين، قارن ذلك- مثلا- بموقف أبوحامد الغزالى فى ردوده على عنف إحدى الفرق، كما جاء فى كتابه الشهير «فضائح الباطنية» أو ما جاء عند ابن حزم فى كتابه «الفصل فى الملل والنحل»، خاصة فى الفصل الذى حمل عنوان المفاضلة بين الصحابة وفصول أخرى، وغير ذلك كثير فى التراث العربى والإسلامى.

تلك الردود الخجولة التى نقرؤها فى السنوات الأخيرة، فُسرت عند الخائفين والقلقين بأن الجميع، أى أصحاب أفكار العنف ومن يردون عليهم، يقفون على أرض واحدة أو متقاربة.

باختصار، أخذنا رواد الإسلام السياسى إلى المربع صفر، ليقدموا لنا إسلاماً غير الذى نعرفه وغير الذى عرفه التاريخ الإنسانى، إسلاماً على قدر وحجم أهوائهم وأغراضهم الخاصة، واقتادوا الكثيرين إلى معركة صفرية، تعيش فيها طوال الوقت مدافعاً ومهتماً بصغائر الأمور.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات