عاجل

البث المباشر

حلمي النمنم

كاتب مصري

الملك والشيخ وطلاق الملكة

يلاحظ الجميع انتشار الشائعات فى المجال السياسى اليومى؛ حتى إن مركز معلومات مجلس الوزراء بات شبه متفرغ للرد على الشائعات وتفنيدها؛ ولأسباب كثيرة يمكن أن نستوعب سر هذه الموجات من الشائعات؛ مراحل الانتقال السياسى تكثر فيها الشائعات؛ وافتقاد اليقين عند البعض يساعد على رواج الشائعات؛ وضعف أجهزة الإعلام التقليدى أمام السوشيال ميديا يعنى مزيدًا من الشائعات؛ فضلًا عن وجود تنظيم يعادى الدولة المصرية ويشن عليها حربًا معلوماتية لحسابه وحساب أطراف إقليمية، وعندنا الشائعات تنتقل من المجال السياسى إلى المجال التاريخى، وأحيانا تبنى بعض المواقف والأحكام التاريخية على حقبة بأكملها أو على شخص بعينه، بناء على شائعة أو على مجموعة من الشائعات؛ ومن ذلك ما يتردد عن أن الملك فاروق حين طلق زوجته الملكة فريدة طلب إلى الشيخ محمد مصطفى المراغى، شيخ الأزهر، أن يصدر فتوى تمنع مطلقته من الزواج بعده إلى الأبد؛ وأن الملك زار الشيخ فى المستشفى «مهدد ومتوعدا» إن لم يصدر الفتوى؛ وأن المراغى رد بأنه لا يمكنه أن يحرم ما أحل الله؛ وهنا يزيد البعض فى القول بأن الملك كانت أمامه «طفاية سجائر» فهمّ أن يقذفها فى وجه الشيخ لكنه تمالك نفسه فى اللحظات الأخيرة، ومؤخرًا قرأت مقالًا جاء فيه أن الملك عاقب «المراغة» كلها- بلدة الشيخ- لمدة ثلاث سنوات بسبب رفض المراغى إصدار الفتوى المطلوبة، وأن الدولة أوقفت كل الخدمات إليها، وفى إحدى القنوات الفضائية سمعت متحدثًا يقول إن الشيخ أبوالفضل الجيزاوى أصدر فتوى تؤيد موقف الشيخ محمد مصطفى المراغى من مطلب الملك فاروق، أى أن رفض المراغى كان موقف الأزهر كله من مطلب الملك.

.. وبات من الثابت فى كثير من الكتابات وبعضها لمتخصصين فى التاريخ المعاصر أن الملك فاروق بعد أن طلق فريدة طلب- بالفعل- من شيخ الأزهر هذا المطلب ولكن الشيخ أبى ورفض بتاتًا.

وقد حاولت البحث فى المصادر الأولى عن هذه الواقعة، فلم أجد لها أثرًا؛ ولكنها ظهرت وقيلت بعد ثورة يوليو 52 إبان الحملة الصحفية الشرسة على الملك؛ وهذا ما يجعلنا ننظر إليها بتشكك؛ وإذا رجعنا إلى بعض الوقائع لكان علينا أن نرفضها، تأسيسًا على ما يلى:

أولًا: تم طلاق الملكة فريدة من الملك فاروق فى نوفمبر 1948؛ بينما انتقل الشيخ المراغى إلى رحاب ربه فى أغسطس 1945؛ وحتى وفاته- رحمه الله- لم تكن العلاقة بين فاروق وفريدة وصلت إلى حدود الطلاق؛ لا هو فكر فى ذلك ولا هى طلبت؛ ورغم ظهور بعض الخلافات كان الملك لا يزال يحبها ومتمسكًا بها.

ثانيًا: حين بدأ الحديث عن الطلاق كان مطلب الملكة فريدة أن تظل بجوار بناتها؛ الأميرات، ترعاهن، وهذا يعنى أن الزواج مرة أخرى ومن رجل آخر لم يكن واردًا بالنسبة لها؛ وكان ذلك معروفًا على نحو جيد للملك؛ بمعنى أن الطلاق لم يقع لأنها على علاقة بآخر وتريد الارتباط به، بل كان لأنها تريد أن تعيش بمفردها.

ثالثًا: البعض يتصور أن فاروق كان رجلًا «أبله» ولم يكن رجل دولة؛ فهو أول من يعلم بحكم موقعه أن شيخ الأزهر ليس دوره ولا من اختصاصه إصدار الفتاوى، هذا اختصاص فضيلة المفتى ودار الإفتاء، والأوقع أن يطلب ذلك- لو أراده أو فكر فيه- من فضيلة المفتى وليس من فضيلة شيخ الأزهر؛ وقد حدث أن نوقش فى مجلس الشيوخ سنة 1950 اقتراح بتحديد الملكية الزراعية، ولحسم الأمر أصدر فضيلة المفتى الشيخ حسنين مخلوف فتوى بأن تحديد الملكية ليس من الإسلام؛ ولم يصدر شيخ الأزهر أى شىء بهذا الخصوص لأنه ليس من اختصاصه.

رابعًا: لم يكن الملك فاروق يتحرك فى حياته بالفتاوى؛ كان الشيخ المراغى إلى جانبه، مساندًا وداعمًا بقوة؛ وكان الملك وقتها من محبى لعب القمار ويمارس هذه اللعبة بانتظام، ولم يسأل هو شيخ الأزهر فى هذا الأمر؛ ولا طلب فتوى بهذا الخصوص؛ ولا الشيخ تكلم فى الموضوع، ولما أراد أن يتزوج بعد طلاق الملكة فريدة، وقع اختياره على شابة كانت مخطوبة وكانت على وشك الزواج من شاب متميز، هو د. زكى هاشم، بل إن دعوة حفل الزفاف الخاصة بها وعريسها كانت طبعت وتم توزيعها؛ ومع ذلك تقدم لها؛ وتجاهل هو كل شىء عن خطبتها وزفافها؛ كما تجاهلت أسرتها ذلك الأمر؛ ولم يطلب الرجل فتوى ولا سأل عن موقف الدين فى هذا الأمر؛ رغم أن هناك حديثًا نبويًا واضحًا يمنع ما أقدم عليه «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه».

خامسًا: لو أن مطلقته أرادت الزواج؛ وهو بمنطق الغيرة لا يريد لها الزواج؛ فكان أمامه الكثير من الطرق والوسائل لمنع ذلك الزواج؛ دون اللجوء إلى فتوى؛ وهذا الأمر يحدث إلى اليوم من مواطنين عاديين؛ انفصلوا عن زوجاتهم؛ دون فتاوى ودون أن يكونوا ملوكًا.

سادسًا: الشيخ أبوالفضل الجيزاوى انتقل إلى رحاب الله سنة 1927؛ وقتها كان الملك فاروق لايزال طفلًا فى السابعة من عمره، وكان أميرًا فقط؛ لا كان هو ملكًا ولا كان الشيخ المراغى شيخًا للأزهر، ورغم هذا فبكل ثقة يعلن أحدهم على إحدى الفضائيات المصرية أن الجيزاوى ساند المراغى فى موقفه من الملك فاروق!!

سابعًا: كان الشيخ المراغى بتعبير العقاد رجل سياسة وإدارة فى المقام الأول؛ وكان مريحًا تمامًا للملك فاروق؛ والحق أن الملك وجد نفسه أمام شخصين أحدهما طيّع معه إلى أقصى حد والآخر عصىّ عليه ويحاول مضايقته من اللحظة الأولى؛ الأول هو المراغى والثانى هو مصطفى النحاس، حين أراد الملك أن تتم إجراءات تسلم العرش فى القلعة؛ على طريقة جده محمد على رفض النحاس بشدة وأصر على تطبيق الدستور؛ فيرد عليه المراغى فى خطبة الجمعة وبحضور الملك «الدستور الحق هو القرآن الكريم»؛ وهكذا- ولذا ليس من الوارد أن يجاهر المراغى الملك بالرفض فى أى شىء، وإلا كان اتخذ موقفًا منه بسبب لعب القمار!!

والحق أن الملك ظل ممتنًا للشيخ المراغى، هو أطول شيخ للأزهر فى منصبه طوال العصر الملكى كله، وبعد وفاته بادر الملك بتقريب نجله مرتضى المراغى وجعله وزيرًا للداخلية، وليلة 23 يوليو 1952؛ حين احتدمت الأمور لم يجد الملك من يثق به ويطلب إليه الحديث مع اللواء محمد نجيب لتهدئة الضباط غير مرتضى المراغى نفسه؛ وبالفعل اتصل المراغى باللواء نجيب وتواصل معه ليلتها.

أعرف أن هناك من يريد أن يجعل من شيخ الأزهر فى كل عصر مناوئًا للحاكم؛ رغم أن ذلك لم يحدث أبدًا فى الواقع، وأعرف كذلك أن لدينا من يحاول أن يزيد من مثالب الملك فاروق، وهناك من يريد أن يجعل من الملكة فريدة رمزًا للطهر والعفاف وأنها تعرضت لغبن كبير من زوجها وأنها كانت ضحية له وأنه كان يريد أن ينتقم منها ويعاقبها؛ والحق أن العلاقة بينهما كانت أعقد من ذلك ولم تكن هى بالشكل الوردى الذى رسمته لها الصحافة؛ وهناك أخيرًا من يرغب فى أن يزيد من أمجاد وقوة الشيخ المراغى وإضفاء هالات من البطولة عليه؛ لكن الحقيقة أهم وأبقى من كل ذلك.

نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات