عاجل

البث المباشر

إنعام كجه جي

صحافيّة وروائيّة عراقيّة

عن عدنان حسين

مات عدنان حسين في الوقت الخطأ. غادر الدنيا عصر الخميس الماضي ليغيب قلم شجاع يحتاجه العراقيون وهم في المأزق الأشد، في أعجب حالات دولتهم. تلك التي وصفها في مقال له بأنها «الدولة المستعصية». وكنت قد عرفته طالباً سبقني إلى قسم الصحافة في كلية الآداب، ثم زميلاً في يومية «الثورة»، بعد فترة أمضاها في الكويت ناجياً بجلده من الملاحقة. رأينا أياماً كالخيال، يعمل فيها محرر شيوعي في جريدة حزب البعث. جمعتنا غرفة صغيرة، المكتب لصق المكتب. ومن أول ابتسامة طيبة عرفت أن صداقة غير عادية ستربطني بإنسان نادر في صفائه، رقيق في صلابته.
بعد سنوات قلائل تمزّقت شاشة الخيال. انفرطت الجبهة الوطنية واختفى عدنان. وأمس عرفت من منشور للمهندس نبيل دمّان، أن زميلي السابق اشتغل أواخر السبعينات عاملاً بأجرة يومية في مشروع «بالندة» لشق الطرق، أقصى شمال الوطن. هناك لا أحد يطالب العمال الوقتيين بوثائق أو شهادات حسن سلوك من دوائر الأمن. وكان عدنان قد فقد عمله في جريدة «طريق الشعب» بعد أن أغلقتها السلطات. ويكتب نبيل دمّان: «قمت بتنسيب عدنان للعمل مع المهندس البنغلاديشي ديوان شمس العارفين، المسؤول عن إدامة السيارات والمكائن الثقيلة، فأخذ يساعده في مسك السجلات وترتيب بطاقات الصيانة لمئات الآليات في المشروع. وكان يبيت في مخيم العمال ذوي المهارة، اللحام محمد الموصلي والكهربائي كريم تومي والميكانيكي تيلي علي وغيرهم...».
وجد عدنان حسين طريقاً للخروج من العراق. وفي السنة نفسها غادرت البلد للدراسة. تباعدت بيننا المسافات حتى عاود زميلي الظهور في لندن، يأتي في زيارات قصيرة إلى باريس ونلتقي بالودّ نفسه، كأننا لم نفترق. لكن احتلال العراق عام 2003 رسم بيننا خطاً عميقاً. كان هو من الناشطين في المعارضة وقد أيد المشروع الأميركي وكنت أنا ضد غزو العراق مثلما كنت، من قبل، ضد غزو الكويت. لذلك أكتب لا لأنعى صديقاً، بل لأقول إن الخلاف ممكن حتى في المواقف المصيرية، إذا وضعنا بين أعيننا تميمة حب الوطن.
عدنا لنجتمع على صفحات هذه الجريدة. يكتب ما يشاء وأكتب ما أشاء. لم أقرأ نقداً لما آل إليه الواقع العراقي والحكومات التي جرى تنصيبها على رقاب العباد، مثلما قرأت لعدنان حسين. وكنت أزور لندن ونتعارك ونحن نأكل الكباب وخبز التنور. أو أراه في أبوظبي أو أصيلة أو بيروت وثالثنا العراق. خشيت عليه من جرأته مقابل متطرفين يتعاملون بالرصاص. وكان قد كتب مقالاً في هذه الجريدة يصف رئيس الحكومة بـ«الروزخون» الذي يدور في المآتم الحسينية يروي الحكايات الدينية وينال أجراً من المستمعين. لكن عدنان سخر من خشيتي وضحك بطيبته المدرّعة وواصل القصف.
حين عاد للعمل في بغداد صار في قلب الحدث. ازداد جرأة في توصيف ما يرى. كتب عن حلف وثيق بين الإرهاب والإدارة الفاسدة. ولما نشرت روايتي «طشّاري» عن تشتتنا في البلاد، علّق يقول: «إن في داخل العراق وعلى امتداد الطشّار العراقي المنبسط على طول خريطة العالم وعرضها، من أستراليا ونيوزيلاندا إلى الأميركتين، ثمة المئات من البارزين في مجالات الأدب والصحافة والفنون والهندسة والطب والعلوم التطبيقية، يوحّدهم سوء الحظ الذي ألقى بهم إلى دروب الحياة في الزمن الخطأ. زمن الديكتاتورية الغاشمة ثم زمن أمراء الطوائف. ولهؤلاء فضيلة المعاندة ومواجهة قبح السياسة بجمال الإبداع».
أعرف أن قلبك يا صديقي اختزن جبالاً من الخيبة والأسى. لذلك لم تمت بكاتم الصوت بل بالسرطان.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات