الأحلام النووية والسلطنة الإردوغانية

إميل أمين

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

لا ينفك الآغا العثمانلي يسعى في طريق تهديد أمن واستقرار المنطقة والإقليم، ولا تزال القوى القطبية الكبرى تتلاعب به كبيدق على خريطة الشطرنج الأممية التنافسية.
إردوغان الذي يحلم في اليقظة قبل النوم، يسعى حثيثاً إلى أن يكون المكافئ الموضوعي لإيران وإسرائيل في المنطقة، وهو مدفوع في كل الأحوال بأوهام إحياء السلطنة العثمانية، ويسعى لزخمها بالسلاح النووي الفتاك الذي لا يصد ولا يرد، حتى تضحى له السيادة الكاملة ويستطيع أن يشارع وينازع الكبار حول العالم.
مثير جداً شأن إردوغان، ذلك أن مَن يتطلع إلى السلاح النووي لا يجاهر مباشرةً بنياته، فيفضح مخططاته في الحال والاستقبال، وعنده في إيران مثل، وفي إسرائيل نموذج آخر، غير أنه وأمام منتدى اقتصاد الأناضول الأخير لمح إلى نية بلاده امتلاك سلاح نووي، إذ قال: «إن بعض الدول لديها صواريخ تحمل رؤوساً نووية، لكنهم لا يريدون الأمر نفسه لتركيا»، معقباً: «أنا لا أقبل ذلك».
هل يفهم القارئ تصريحات الرجل على أنها رغبة حقيقية في امتلاك أسلحة نووية في المدى الزمني القريب أو المتوسط على أبعد تقدير؟
الشاهد أن هناك نقاطاً عديدة يمكن التوقف معها في هذا الإطار، ربما في مقدمتها التساؤل عن مقدرة إردوغان الفعلية في هذا الإطار، وهنا كانت صحيفة «نيويورك تايمز» حاضرةً عبر تقرير مطول أشارت فيه إلى أن تركيا في طريقها لتطوير برنامج نووي أكثر تقدماً، لكنه أقل بكثير مما جمعته إيران، كما أن تركيا تمتلك بالفعل برنامجاً لصنع القنابل من خلال رواسب اليورانيوم التي تتحول لاحقاً إلى بلوتونيوم يُستخدم في صناعة القنبلة الذرية، ومفاعلات للأبحاث تساعد روسيا في بنائها، والأخطر من ذلك شبكة من العلاقات مع علماء ودول لديها خبرة في بناء المفاعلات النووية، وصولاً إلى القنبلة عينها، والاسم الذي يتردد الآن من الاستخبارات الغربية لا سيما الألمانية، هو اسم عبد القدير خان العالم الباكستاني، الذي زوّد عدداً من الدول ومنها إيران بخبرات نووية، قد تقود إلى صناعة السلاح الأخطر في تاريخ البشرية.
لم تعد العواصم الأوروبية فقط هي التي تشعر بانزعاج شديد من إردوغان ومشروعاته لبسط هيمنة سياسية ومشاغبات حياتية في الداخل الأوروبي، ولا العالم العربي، بل باتت واشنطن اليوم لا سيما بعد العملية العسكرية في شمال شرقي سوريا لا تثق بحاكم تركيا، وتتحسب لكل خطواته، والتي تحمل الشر المجاني للجميع، ما يعيد منظومة آلهة أوليمب القديمة، بما فيها من البعض الذين حملوا تعبير «عدو البشر».
في هذا السياق يأتي تحذير جون جيه هامري، نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، الذي يدير الآن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن وقد صرح لـ«نيويورك تايمز» ذاتها بأن «الأتراك يقولون لسنوات إنهم سيتبعون ما تفعله إيران، ولكن هذه المرة الأوضاع مختلفة.. لقد سهّل إردوغان للتوّ انسحاب أميركا من المنطقة، وربما، مثل الإيرانيين، عليه أن يُظهر أنه على الخط، وأنه يمكن أن يحصل على السلاح النووي في أي لحظة، فتركيا تمتلك الأدوات».
الحديث السابق يفتح الأبواب أمام علامات استفهام خطيرة... فهل هناك من يقف وراء إردوغان لقلب توازنات المنطقة؟
قد يقول قائل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدعم إردوغان، وقد باتت له اليد العليا في أنقرة اليوم، وبأكثر من تأثيرات حلف الناتو وتجاذباته على إردوغان، لكن هل يصل الأمر إلى حد السماح له بامتلاك مثل هذا السلاح؟
بالقطع لا يمكن أن تقبل روسيا بوتين بتركيا نووية، فتحت الرماد القيصري كراهية تاريخية للأتراك، وإدراك مؤكد للنيات التركية التي تجيد التمرد والتطلع بالقوة والقسوة إلى الآخرين حال امتلاكها الأدوات اللازمة لذلك، وما يقوم به بوتين مؤخراً في علاقته مع إردوغان بالنسبة إلى سوريا، هو فقط لتعزيز مربعات النفوذ الروسية في آسيا والخليج العربي والشرق الأوسط.
إحدى نقاط القلق بالنسبة للناتو اليوم في ظل العداء التركي الواضح للغرب تتمثل في أكثر من خمسين رأساً نووياً قائماً في قبو أميركي داخل قاعدة إنغرليك، وُضعت تاريخياً لمجابهة الاتحاد السوفياتي في سنوات الحرب الباردة، وقد أضحت اليوم مثار قلق من أن يسطو عليها إردوغان على خلاف رغبة «الناتو»، لا سيما أن العلاقات تتدهور يوماً تلو الآخر ما بين تركيا والغرب عموماً، وهناك أحاديث عن خطة وضعها باراك أوباما لإزالتها عام 2016 إلا أنها لم تُنفَّذ لسببين؛ الأول هو أن ذلك يجعل تركيا ترتمي في أحضان موسكو مرة أخرى وإلى الأبد، والآخر هو أن سحبها من هناك يقوّض التحالف وربما يمنح إردوغان ذريعة لبناء ترسانته الخاصة.
يفوت إردوغان أن السلاح النووي لا يجعل من تركيا دولة عظمى، فتلك تحتاج إلى ترسانة عسكرية ضخمة، وسياسة خارجية أكثر تدخلاً، وتأثيراً وقبولاً على الصعيد العالمي، ومشاركة في مؤسسات الاقتصاد العالمي، وترحيباً من دول الجوار، وعضوية في المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن.
الخلاصة... مهما يكن من شأن الأحلام النووية عند السلطنة الإردوغانية، وسواء كان تحقيقها واراداً أم خيالاً، إلا أنه يجب التنبه لنوايا الأتراك في كل وقت والاستعداد لملاقاتهم عبر السيناريوهات كافة.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.