عاجل

البث المباشر

تركيا.. إمبراطورية وهمية تتبخر

يوما تلو الآخر تتبدد أوهام السلطان المتوهم أردوغان في إحياء إمبراطورية قديمة تسببت في تخلف وانسداد تاريخي غير مسبوقين للعالم العربي لبضع مئات من السنين.

مؤخرا تلقت تركيا ضربة موجعة، وذلك حين أقر مجلس النواب الأمريكي بحقيقة تاريخية مجازر الشعب الأرمني، والإبادة الجماعية التي جرت في عهد السلطان الأحمر عبد الحميد، ورفقته من أمثال جمال باشا السفاح، وطلعت باشا وزير داخليته، وبقية جوقة المدانين إلى يوم الدين.

القرار الأمريكي هذا ربما يكون مدعاة في المدى القريب لآخر مشابه يصدر عن مجلس الشيوخ، ويضع كلاهما البيت الأبيض أمام حتمية الاعتراف الأمريكي الرسمي بالأيادي التركية الملطخة بالدماء.

غني عن القول إن القرار الأمريكي الأخير هذا سوف تستتبعه إجراءات اقتصادية وعقوبات مالية، أما الخسارة الأكبر التي ستنال أردوغان فهي موصولة بالرأي العام الأمريكي والأوروبي معا، وجميعهم بات السؤال على ألسنتهم هل حان أوان إخراج تركيا من حلف الناتو؟

مؤخرا أدرك أردوغان أن علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية أضحت تتجاوز الخط الساخن الممتد بينه وبين الرئيس ترامب، فالمؤسسة العسكرية الأمريكية وكذا الاستخبارية، والخارجية من جهة ثالثة جلها يرى في أردوغان المخرب للسياسات الأمريكية، عطفا على كونه أحد مهددات الاستقرار في منطقة ملتهبة من جراء الملالي بالفعل، ووراء الباب معركة محتملة بين واشنطن وطهران، وعليه فإن العم سام لا يريد من يشغله أو يشاغله بأكثر مما تحتمل أحواله الآنية.

هل تختلف أحوال أردوغان مع الأوروبيين عنها تجاه الجانب الآخر من الأطلسي؟

بالقطع تعيش العلاقات الأوروبية التركية أسوأ مراحلها المعاصرة، والأوربيون يخبئون تحت الجلد كراهية كبيرة لتركيا التاريخية التي حاربتهم مرارا من منطلقات إيديولوجية وأخرى دوجمائية، والآن يمضي أردوغان في طريق ابتزاز الأوروبيين مرة جديدة بالمهاجرين واللاجئين إن لم تقم أوروبا بدفع الإتاوة التركية في شكل مليارات الدولارات، وإلا قام بفتح الحدود، لتغرق أوروبا من جديد في طوفان لا يعلم أحد مداه.

يسعى أردوغان للفكاك من أزمة الداخل عبر استفزازه جيرانه في البحر الأبيض المتوسط متوهما مرة أخرى بأنه سيجد القضية التي يجتمع من حولها الأتراك مجددا.

تبدي تركيا استعدادها لاتخاذ مزيد من الخطوات الاستفزازية والخطيرة في مياه قبرص، لأنها تعتبر الموقع الاستراتيجي للجزيرة وثرواتها من الغاز أمرا حاسما لمواجهة خصومها وتأمين مصالحها في المنطقة.

لا تعير أنقرة أي التفاتة للأصوات الدولية التي تحذرها من التمادي في غيها السادر، وقد خرجت بعضها من واشنطن في أكتوبر الماضي عندما اجتمع هناك وزير خارجية اليونان نيكوس ديندياس مع نظيره الأمريكي مايك بومبيو والذي حذر تركيا من "عمليات حفر غير مشورعة في شرق المتوسط وأشار عليه بأن واشنطن سوف تعمل على تطبيق القوانين الدولية في هذا الشأن.

والمعروف أن أنقرة تشكك في تراخيص تنقيب منحتها السلطات القبرصية اليونانية في نيقوسيا لشركات طاقة عالمية تعمل في تلك المناطق ، بدلا من دعم جهود التنقيب من قبل "جمهورية شمال قبرص التركية.

السلطان الذي يعيش في زمن الساعة الحادية عشرة وكي يعزز موقف حليفته السابق الإشارة إليها أرسل مؤخرا سفن حفر خاصة بها وسفنا حربية نحو حقول الغاز، الأمر الذي دفع اليونان وقبرص العضوان في الاتحاد الأوروبي إلى الاعتراض.

غير أن المشهد لا يتوقف عند أثينا ونيقوسيا، بل يمتد إلى دول كبرى ولاعبة رئيسة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط لا سيما مصر وإسرائيل، دول تكتشف يوما تلو الآخر المزيد من الغاز في مياهها الإقليمية بنوع غير مسبوق.

يخيل لأردوغان أنه قادر أن يضحي "ضد العالم"، مرة وإلى الأبد، إذ في رده على اعتراض اليونان وقبرص ومن ورائهما الاتحاد الأوروبي يصرح بالقول: "إن أنقرة ستواصل وبحزم جهود الاستكشاف وحتى لو تم الإعلان عن مناطق محظورة للسفن القبرصية اليونانية في المياه الإقليمية.

لا يؤمن أردوغان بالقوانين الدولية، ولا بالمعاهدات الأممية أو المواثيق التي تنظم علاقات الأمم بالبحار والمياه الإقليمية، إنه يفهم لغة واحدة هي لغة العنجهية والتكبر التركيين التقليديين، وعليه يبقى التساؤل هل يسعى أردوغان لأن يكتب نهاية أحلامه الإمبراطورية بحرب مدمرة تتكالب فيها الأمم على تركيا كما فعلت من قبل أكثر من مرة.

المؤكد أن أردوغان قد أوصل بلاده إلى حالة "صفر أصدقاء"، وهي أسوا وأصعب الأحوال التي يمكن أن تصل إليها دولة بعينها، والأسوأ أن هناك من يكاد يوقن بأن الحل مع تركيا لا يمضي إلا من خلال فوهات المدافع وربما صواريخ المدمرات الحربية.

هل فهم أردوغان المعنى والمبنى من وراء فعاليات التدريب البحري والجوي المشترك "ميدوزا -9 "، الذي جرى بالقرب من بلاده بمشاركة عناصر من القوات البحرية والقوات الجوية والقوات الخاصة المصرية واليونانية والقبرصية واستمرت لعدة أيام في مياه اليونان؟

أفل حلم أردوغان وسقطت إمبراطوريته عندما تحركت جماهير الشعب المصري في يونيو 2013 تنادي بسقوط حكم المرشد، وغير خاف على أحد أن الخليفة المنحول بلغت به الآمال مبلغها بعد سقوط تونس ومصر في براثن الإسلام السياسي، قبل أن تستفيق الشعوب على تهافت تلك الجماعات، أما الداخل التركي فيبدو أسوأ حالا، ذلك أنه بعد نحو عقدين من الحكم بلا قيود، يتبين تآكل التأييد الجماهيري له، ولا سيما بسبب الأزمة الاقتصادية، بل هناك من تحدى حكمه في حزبه.

لم يبق لأردوغان صديق وثيق أو لصيق بعد أن أضاع الجميع، وهو يدرك أيضا في قرارة نفسه أن عزفه على أوتار موسكو لن يفيده في نهاية الأمر فالكبار لهم حساباتهم على رقعة الشطرنج الإدراكية، ناهيك عن أن ذاكرة الروس الجمعية تعرف من هم الأتراك وخياناتهم عبر التاريخ.

أردوغان النهايات تقترب وهو يكتبها بيديه....هذه هي الخلاصة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات