عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

هل سيضعف ترمب أميركا؟

في المقال السابق توقعنا أن ترمب لن يُعزل لعدد من الأسباب. والسؤال الثاني كان: هل ستضعف أميركا بالانسحاب من سوريا؟ والإجابة أيضا لا.

الانسحاب نفسه لم يتحقق بشكل كامل وترمب نفسه قدم عدداً متضارباً من التصريحات حول هذا النقطة، آخرها حديثه عن البقاء من أجل حماية حقول النفط.

من تصريحات ترمب المتضاربة وردود المسؤولين الأميركيين نفهم أن أميركا لا تنوي الانسحاب من المنطقة ولن يضعف حضورها ولن تتخلى بسهولة عن النظام الإقليمي والدولي الذي بنته بصعوبة خلال عقود طويلة.

ولكن لماذا ترمب متردد ومتناقض حول هذا الأمر؟

بسبب وقوعه بين طرفين هو في أمس الحاجة لهما ولا يمكن له أن يستغني عنهما. عندما يقول الرئيس الأميركي إنه يريد الانسحاب فهو يخاطب تحديداً جمهوره الداخلي والإعلام المحلي الحزبي وعدداً بارزاً من الشخصيات الانعزالية الجمهورية ويريد قطع الطريق على منافسيه من الحزب الديمقراطي الذي يستخدمون هذه الورقة لإنهاكه انتخابياً. أكثر كابوس يمكن أن يواجه ترمب حالياً هو أن تراق دماء الأميركيين في بلاد بعيدة وعدوة وغريبة. ستكون بمثابة خنجر سياسي ستطعن في ظهره.

ولهذا نسمعه يردد ما يزيد هرمونات الطاقة والحماسة الوطنية لدى جمهوره. إن العودة للديار وعدم التدخل في شؤون العالم والاهتمام بشؤوننا الداخلية فكرة رومانسية شعبوية سطحية لها جمهورها الكبير داخل الولايات المتحدة، ويتسابق السياسيون على ترديدها مرارًا للتكسب الانتخابي. وهي فكرة مجانية، أي بإمكان أي سياسي أن يقولها بدون أن تؤثر عليه.

وهذا ما فعل ترمب تحديداً في وقت اعتقد أنه مناسب، أي قبل عام واحد من الانتخابات وأعلن الانسحاب من سوريا وليس أفغانستان الأكثر صعوبة. عملية غير معقدة سهلة التنفيذ وستحقق له مكاسب فورية في صناديق الاقتراع. تردد ترمب من الآن على وضعية انتخابات 2020. في المناظرات التي سيخوضها بعد أشهر سيرفع يده بكل ثقة ويجيب السائل: "قضينا على داعش وانسحبنا من سوريا وقتلنا البغدادي وأعدنا جنودنا للوطن بدون قطرة دم واحدة. ماذا تريدون بعد؟!" ستكون دعاية انتخابية يحلم بها أي مرشح.

حديث الرئيس الأميركي هذا يعكس حقيقة خطابه الداخلي الشعبي منذ البداية حيث يقوم بالضغط على الأزرار النفسية والمزاجية التي تحرك جماهيره. خطاب عاطفي اندفاعي ينسجم مع تصريحاته المتكررة حيث لم يترك حكومة أو منظمة في العالم لم يقل إنها مدينة لأميركا بالمال. طبعا هذه مجرد تصريحات عنيفة لكنها عملياً لا تستند إلى حقائق. يفهم الرئيس ترمب اللعبة الإعلامية جيداً: ما يعتقد الناس أنه حقيقة أهم من الحقيقة نفسها.

لكن لماذا يتناقض ترمب في موقفه ويردد تصريحات معاكسة تماما لما قاله حتى قبل دقائق؟ تغريدة تعلن الانسحاب وتغريدة بعدها تعلن البقاء. لأنه بحاجة إلى المؤسسة الجمهورية التقليدية التي تعارض فكرة الانسحاب بشكل صريح بما في ذلك أعضاء من إدارته سابقاً وحتى حالياً. نتذكر أن استقالة وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس كانت بسبب حديث ترمب الأول عن الانسحاب قبل أن يتراجع. والوزير الحالي للدفاع يقول كلاما مختلفا تماما عن رئيسه. ترمب يقول منسحبون وإسبر يقول باقون! وكذلك وزير الخارجية مايك بومبيو، في آخر تصريحاته أكد أن الولايات المتحدة الأميركية لن تذهب لأي مكان.

لكن لماذا ترمب بحاجة للمؤسسة الجمهورية؟

أولًا لأنه يحتاجهم في قضية العزل الجارية حاليا وإذا كان يريد دعمهم، فمن الأفضل له أن لا يغضبهم بمواقف ترضي فقط مناصريه داخليًا ولكنها تتعارض مع مواقفهم ومبادئهم. من المؤكد أنه سيقدم لهم تنازلات مقابل وعد الدعم الكامل.

وثانياً لأنه يحتاج أيضا دعمهم في الانتخابات القادمة، حيث سيعتمد جزئيا على الجمهوريين مالياً و سياسياً ويستخدم مكينتهم السياسية الداخلية العملاقة. صحيح أن لديه حساب "تويتر" لا يتوقف عن بث التغريدات الغاضبة، ولكن ليس بتويتر وحده يصبح الشخص رئيسا. ليس من مصلحة الرئيس أن يخسر أحدا الآن.

والسبب الثالث وهو الأهم أن ترمب لا يريد أن يكون أوباما آخر، الرئيس الذي أضعف القوة الأميركية ويريد أن يحقق مجداً خارجياً يحمل اسمه. وذلك لن يتحقق إلا بوجود مؤسسة سياسية وعسكرية تدعم هذا التوجه.

ليس مستبعدا بعد أن ينتصر ترمب في الانتخابات القادمة ويتخلص من ضغط الجماهير المحلية، أن يلتقي وينسجم أكثر في رؤيته الخارجية مع الجمهوريين المؤمنين في النظام الدولي الأميركي وسيعمل أكثر على ترسيخ دعائمه بشكل أكثر وضوحا. سيكون حينها حراً طليق اليدين ليعبر بشكل صريح عن إيمانه الحقيقي.

والحقيقة، رغم كل مايقال، في السياسة الخارجية ترمب جمهوري تقليدي أكثر من ما يعتقد الكثيرون. كل الفريق الذي اختارهم من نائبه لوزير خارجيته لدفاعه، جمهوريون تقليديون مؤمنون بفكرة النظام الدولي الأميركي والقوة الخيرة الأخلاقية التي جلبت الاستقرار للعالم بعد الحرب العالمية الثانية ومن بعدها لم يشهد العالم أي حروب مهلكة. ولو لم تتدخل لدمرت أوروبا نفسها والعالم بسبب القوى المتجاورة المتنافسة بحرب عالمية ثالثة.

ولهذا فإن اعتراضهم الجماعي على ترمب بسبب الانسحاب من سوريا لأنه مس بمبادئهم الجوهرية. دولة عميقة ولكن بالمعنى الإيجابي هذه المرة. ستدفع ترمب أكثر ليعزز القوة الأميركية خصوصا مع صعود روسيا والصين اللتين تسعيان لتحدي القوة الأميركية المهيمنة وخلق عالم ثلاثي الأقطاب وهذه قصة أخرى تستحق النقاش.

ترمب محاصر بشخصيات جمهورية ستحميه من العزل وستجبره على توسيع القوة الأميركية لتحدي القوى الصاعدة وتساعده لتحقيق مجده الخارجي في كوريا الشمالية أو إيران ولهذا لن تنحسر القوة الأميركية على الأقل في الخمسة أعوام القادمة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة