عاجل

البث المباشر

عبدالله بن بخيت

كاتب سعودي

كاتب سعودي

صورة من ماضي الحكواتية

من أفضل الوسائل لمكافحة العنف والإرهاب هو إعادة بناء الماضي. التحقق من جماله وعظمته ورومانسيته التي تستولي على القلوب. أن نفصل إنجازات صلاح الدين عن الحياة في عصر صلاح الدين. أن نفصل مجد وشهرة هارون الرشيد عن الحياة في عصره. أن نفصل ما قيل عن عدل عمر بن عبدالعزيز عن حياة الناس في عصره.

أن ينتصر جيش في معركة كبرى لا يعكس بالضرورة رغداً وحياة سعيدة في زمن هذا الانتصار.

أن ما نقرؤه في التاريخ ونطرب له ليس سوى ركن صغير جداً لا علاقة له بالحياة اليومية التي يعيشها أمثالي وأمثالك في ذلك الزمن.

عندما تتمنى أن تعود إلى العصر العباسي أو عصر عمر بن عبدالعزيز ليس بالضرورة أن يكون نصيبك من نصيب الخليفة أو رجاله المحيطين به. إذا لم تكن ضمن هذه الصفوة فستكون حتماً ضمن العامة أو ما يسميهم الفقهاء العوام. هؤلاء هم ملايين الناس. هم أنا وأنت. لا تنقل أدوات عصرنا هذا ومنجزاته إلى العصور التي تزورها بخيالك.

الماضي الذي تحلم به وتمجده خالٍ تماماً من أسباب الرفاهية. لا يوجد كهرباء ولا ماء جارٍ ولا مجارٍ ولا مستشفيات ولا نظافة ولا تنفصل حياة الإنسان عن حيواناته الأليفة. عندما تخرج للشارع لا تتخيل أنك تخرج لطريق الملك فهد أو العليا. الطريق في ذلك الزمان سكة صغيرة مغبرة تجوبها الحيوانات بكل أنواعها: الجمال والخيل والبقر والماعز والكلاب والقطط وإذا انحنيت ستشاهد كل أشكال الحشرات ثم عليك أن تتعود الغبار الملوث الذي تثيره الحيوانات. ستلتقي يومياً بالعميان والمرضى والمعوقين والمجانين والبرص والمجذومين فهؤلاء حياتك اليومية. إذا سمعت من المؤرخين أو الفقهاء كلمة الأسواق المزدهرة في عصر الخليفة الفلاني فلا تنقل بخيالك أسواق المملكة أو الفيصلية أو عتيقة للخضار. كمية البضائع المتوفرة في أسواق تلك الأزمان لا تعادل كمية البضائع في بقالة صغيرة في زاوية في حارتكم ناهيك عن الجودة والتنوع.

تذكر عندما تتمنى العودة للأزمنة التي صورها الحكواتية تذكر أنك سوف تنتقل إلى كوكب بدائي. معدل العمر فيه لا يتجاوز الخمسة والأربعين عاماً، والطفل الذي ينجو من الموت المبكر يعد هدية من الله لوالديه. ستتاح لك أكثر من فرصة أن تمر بمجاعة في حياتك القصيرة وستعيش أيضاً عدداً من الجوائح والأوبئة وستشهد مرة أو مرتين موت أعزاء بين يديك. وإذا نجوت من الموت فليس بالضرورة أن تنجو من عاهة. لا لقاحات ولا أدوية ولا بيئة صحية. إذا أردت الانتقال لعصر هارون الرشيد فلن تنقل معك المكيف والثلاجة والمضادات الحيوية والجوال والشامبو والصابون، أما حمامك الذي تقضي فيه حاجتك أنت وأسرتك فمكان ملوث على نهر الفرات أو دجلة.

*نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات