عاجل

البث المباشر

عبدالله بن بخيت

كاتب سعودي

كاتب سعودي

الخرافة أصل الشرور وليس الإرهاب

من حسن حظننا أن تخلقت داعش. الوباء يحمل في داخله علاجه. قبل سنوات قليلة جداً كان يمكن أن يكون مجرم فلوريدا بطلاً. في الستينات كان بطلاً قومياً، وفي التسعينات كان بطلاً إسلامياً.

جميعنا نأسف على أرواح الضحايا. بيد أن الصراع مع الظلام يتطلب ضحايا. مات مجرم فلوريدا لم يبك عليه أحد. لم يجرؤ أن يبرر أحد فعلته. لم يصمت عن إدانته أحد. لكن هل سويت الأرض التي يمكن أن ينبت فيها أمثاله؟ أن يذهب سفاح كالجهادي خطاب إلى الشيشان والمقدسي إلى سورية والزرقاوي إلى العراق ويذهب قبلهم عبدالله عزام (الفلسطيني!) يجاهد في أفغانستان. ثم تعود سمعتهم إلينا تنتظر من يعطرها بالأكاذيب. يحولهم دعاة الظلام أبطالاً امتلأت حياتهم بالكرامات.

هؤلاء صنيعة دعاة الإرهاب ودعاة الإرهاب صنيعة دعاة الخرافة. تحدثنا عن تاريخ العنف وتحدثنا عن استغلال الطاقة الدينية ولكننا لم نتحدث عن أصل الشرور: الخرافة.

هؤلاء الأبطال لم ينشروا الكراهية والقتل والدماء لأنهم مجرمون بل لأنهم ضحايا. جيلان من مجتمعاتنا فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، بين الصح والخطأ، بين الماضي والحاضر. اختلط كل شيء مع كل شيء فأصبحوا سهلي الانقياد. لا يملكون القدرة على تمييز ذواتهم عن ذوات أسيادهم ومستغليهم.

في عصر مضى ظهر رجل يدعى حسن الصباح شيخ الجبل. قاد هذا الرجل شباب زمانه للتماهي مع شخصيته. أقام لهم قلعة حصينة ملأها بالورود والأشجار الباسقة والجواري. اعتمد في السيطرة عليهم على تطوير مجموعة من الخرافات بناها على شيء من الدين وشيء من الرغبات الحيوانية وعلى الوعود الزاخرة. نفس ما شاده دعاة الإرهاب في زماننا لأتباعهم.

مع الأسف لم نبحث عن الروابط بين مروجي السحر وتفاقم عدد الرقاة ودعاة الكرامات فصعب علينا تتبع أصل الإرهاب حتى الآن. عندما تطلع على أدبيات جرائم الإرهاب ستجد أن أرضيتها الحقيقية هي الخرافة.

داعش لم تكن وليدة دعوات الجهاد بل ثمرة الخرافة. العمل الانتحاري الموحي بالبطولة في التاريخ يعود في أساسه إلى نفي العقل والقبول بالخوارق. الإيمان بالخوارق أساس الانقياد. كل فرد صادق انضم إلى داعش يؤمن بالجن التي تدخل في أجساد البشر ويؤمن أن الساحر يستطيع أن يرسل إليه شراً مستطيراً بالريموت كنترول، وأن البشرية تتآمر علينا. هذا الإيمان مصدره شيوخه الثقات، فما القوة التي تمنعه من الإيمان ببقية قصتهم ليذهب طائعاً منقاداً سعيداً للبحث عن حتفه.

*نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة