عاجل

البث المباشر

السعودية تشرع أبوابها للمبدعين والمتميّزين

حقاً إن المملكة العربية السعودية في هذا العهد الزاهر، عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تعيش نهضة اقتصادية وثقافية واجتماعية غير مسبوقة. لطالما حاول المناوئون إحباطنا وتثبيط هممنا. لكننا قلبنا الطاولة عليهم في كل جولة، وكسبنا معاركنا ورهاناتنا كلها. وآخر هذه الجولات معهم كانت جولة أرامكو التي كانت الضربة القاضية «فبُهت الذي كفر». ومسيرة الإنجازات تطول، وروح الحيوية والتفاؤل تعم الوطن كله. إنها حقبة جديدة بلا منازع، حقبة الإنجازات والقفزات على المستحيل واختصار المراحل. فليهنأ شباب وشابات هذا الوطن بدولتهم التي وضعتهم على سلم أولوياتها وسعت لتؤمن مستقبلهم ولتوفر لهم جودة الحياة.
ولا تتوقف المفاجآت السارة التي لا يدرك أبعادها إلا الراسخون في العلم، والتي حالما يكشف الستار عنها حتى تتسابق الأبواق المأجورة لتشويه مقاصدها والتشكيك في نجاعتها، ويظلون ينفخون في أبواقهم حتى تخرسهم نتائجها. وكان آخر هذه القرارات الاستراتيجية البعيدة النظر قرار استقطاب وتجنيس المتميزين والمبدعين من فنانين ورياضيين ومن ذوي الكفاءات النادرة في مختلف المجالات.
هذا القرار الاستراتيجي قد يفتح الباب لمزيد من اللطم والنواح من الأبواق المأجورة. هؤلاء لا يعوزهم الفهم بقدر ما يعوزهم حسن النية وينطبق عليهم المثل «اسمك يا عمير مشكي». من يهمنا هنا هم إخوتنا وأخواتنا من أبناء الوطن الذين لم تسنح لهم الفرصة بعد لتدبر مختلف زوايا هذا القرار وتداعياته الاستراتيجية وأهميته لمستقبل وطنهم.
قوة الأمم وعظمتها تُبنى بالعقول، العقول النيرة الخلاقة والمعطاء، على اختلاف ميادين العطاء. وفي الوقت الحاضر نرى أن استقطاب المبدعين سياسة متبعة في الدول الصناعية والمجتمعات المتقدمة لأنهم يختصرون المسافة والوقت على طريق تنمية البلد ورفاهية شعبه. وتدين أوروبا وأميركا بقسط لا بأس به من عظمتها باستقطابها أصحاب العقول أينما وجدتهم وبإغرائهم بالهجرة إليها. والشركات العالمية العملاقة لدى كل منها قسم خاص لتصيد هذه العملة النادرة والذي يسمى: قسم تصيّد العقول أو الأدمغة. ولو سنحت لك الفرصة للتجول في منطقة وادي السيليكون Silicon Valley في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا لتفاجأت أن معظم من يعملون هناك هم من الهنود والصينيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى من خارج الولايات المتحدة. ولتفشي هذه الظاهرة وتناميها برز تخصص حديث في علم السكان يتعامل مع هذه الظاهرة تحت اسم «هجرة العقول». ورغبة العقول في الهجرة إلى أي بلد وانجذابهم له بما يوفره لهم من حوافز وتسهيلات تعد من أهم المؤشرات على تطور ذلك البلد وتقدمه.
ولطالما كانت السعودية محط الأنظار للعباقرة والمبدعين والفنانين الذين يرون فيها فرصة لتحسين ظروفهم المعيشية وتنمية مواهبهم وتخليد أسمائهم ومضاعفة عطاءاتهم لخدمة بلدهم المضيف ولخدمة البشرية عامة.
وقد أطلقت الدولة مبادرة تجنيس الموهوبين والمبدعين، بما في ذلك الفنانون والرياضيون لعلمها أن العقول الاستثنائية تفضل التجنس على التعاقد لأنه أحفظ لحقوقها وكرامتها ومكانتها الاجتماعية. ثم إن هذه العقول عملة نادرة يُفضل اقتناؤها بدلاً من استعارتها. وتفاني المواطن في خدمة بلده ليس كتفاني الوافد، وما يأخذه من أجر سيضخه في اقتصاد البلد بدلاً من تحويله للخارج. والاستقرار المعيشي من أهم محفزات العطاء والوفاء والانتماء، وسيكون تأثيرهم الإيجابي على من حولهم أبلغ وأجدى، وإنجازاتهم ستزيد من الرصيد المعنوي للسعودية. وقد يتساءل البعض لماذا الفنانون والرياضيون!
لنبدأ بالحديث عن الفن وأثره في حياة الشعوب وتاريخ الأمم.
الفن فطرة فطر الله الإنسان عليها ومزية فضل بها ابن آدم على سائر خلقه، مثله مثل اللغة وغيرها من الخصائص البشرية، وجحدان هذه النعمة وأد للطبيعة الإنسانية وكفران بنعمة من أعظم نعم الله التي خص بها البشر. منذ خلق اللّه الإنسان طبعه على حب الجمال وميّزه بذلك عن الحيوان، إنه نعمة الخالق على المخلوق.
لا أحد ينكر ما للفن من دور في صقل شخصية الفرد وتنمية ذوقه ومواهبه وإحساسه الإنساني. فلا يمكن أن تتصور إنساناً كامل الإنسانية لا يتمتع بحس فني لأن في ذلك تعزيزاً للسلوك الراقي والذوق الرفيع.
لا توجد حضارة بشرية خلدها التاريخ إلا وكان الفن جزءاً أساسياً من تلك الحضارة، فالفن من أهم مؤشرات الرقي الحضاري. وثقافة بلا فن هي ثقافة عرجاء. ما الذي خلد لنا حضارات الهلال الخصيب ووادي النيل العتيقة إلا فنونها كما تتمثل في الخط والرسومات وفنون الزخرفة المعمارية. وحينما نتحدث عن بغداد والأندلس فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الفنون التي ازدهرت هناك في عصر سيادة الحضارة الإسلامية. وقد تطورت الفنون الإسلامية تطوراً كبيراً في عصرها الذهبي عندما سادت العالم منذ القرن السادس الهجري. وهناك تخصص قائم بذاته في المؤسسات الأكاديمية العريقة غرباً وشرقاً اسمه «الفنون الإسلامية»، والتي من أبرزها الخط وفنون الزخرفة. وفي العصور الحديثة تسيدت الحضارة الغربية على العالم بفنونها التي أصبحت مثالاً يحتذى في بقية أرجاء المعمورة.
ومن أهم مؤشرات التقدم والتطور في أي بلد في وقتنا هذا هو وجود متاحف للفن بأنواعه. وازدهار الفن في أي بلد هو أول وأبرز مؤشر على نهضتها وتقدمها. والفنان المتفرد لا يخلد اسمه فقط بل يحفر اسم بلده على خريطة العالم وعلى صفحات التاريخ وذاكرة الشعوب، مثل ويليام شكسبير الإنجليزي ومايكل أنغلو الإيطالي وفولفغانغ موزارت النمساوي وسلفادور دالي الإسباني، والقائمة تطول. ولعله من الجدير بالتدبر أن عامة الناس يعرفون عن الفنانين على اختلاف مشاربهم وعن تفاصيل حياتهم أكثر مما يعرفونه عن غيرهم من المبرزين في المجالات الأخرى.
لغة الفن لغة كونية لا تحتاج معها إلى مترجم. لذا فهو يشكل رافداً من أهم روافد العلاقات العامة وتجميل الصورة لأي بلد، وهو أداة بالغة التأثير من أدوات الصراع الحضاري، وأداة فعالة من أدوات القوة الناعمة والتي هي أدوات بناءة غير مدمرة، فهي جزء من التراث الإنساني المشترك الذي يشكل جسراً للتواصل والتفاهم بين الشعوب والذي يسهل تقبله من الآخر لأنه يثري حياته ولا يهدد وجوده. ناهيك عن أنه من أقوى محفزات الانتماء وتعزيز الهوية الوطنية مع التسامح والانفتاح على الآخر. ويعد وجود الأوبرا والمسارح والمتاحف الفنية في أي بلد من أبلغ المؤشرات على التطور الاجتماعي والانفتاح الثقافي والانسجام مع العالم الآخر، علاوة على أنها تعد معلماً من أبرز المعالم السياحية التي تشد إليها الرحال، وهي بذلك تشكل مصدراً مهماً من مصادر الدخل القومي.
ولن أتحدث عن الرياضة لأنني لا أعرف الكثير عنها. لكن من المؤكد أن الرياضة في عصرنا الحاضر لا تقل عن الفن في رفع سمعة البلد دولياً وتدعيم دخلها القومي، ولا يتنافس مع الفنانين في الشهرة إلا نجوم الملاعب. يكفيك أن تتذكر جماهيرية الرياضة ونجومها وأسعار التذاكر وعدد المتفرجين على مقاعد الملاعب وحماسهم. وكم من بلد ذاع صيته لشهرة فريق من فرقه في لعبة من الألعاب الرياضية.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة