عاجل

البث المباشر

أفغانستان وأسرار الحرب الأميركية

شرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الاثنين الماضي تحقيقاً مهماً عما وصفته بـ«التاريخ السري» للحرب الأميركية في أفغانستان. ففي شهادات سرية، وكجزء من مراجعة داخلية للحكومة، أقر مئات المسؤولين الأميركيين والخبراء بارتباك الحرب التي استمرت 18 عاماً دون نهاية تلوح في الأفق. وعبروا عن يأسهم من فشل الاستراتيجية الأميركية في التصدي لـ«طالبان» وعن غضبهم من الفساد الهائل الذي سمح به التمويل الأميركي للحكومة الأفغانية. وسأل كثيرون منهم عن سبب إزهاق أرواح آلاف الأميركيين وتبديد مليارات الدولارات من الإدارات «الجمهورية» و«الديمقراطية» في مشروعات لإعادة إعمار أفغانستان، وأشاروا إلى العدد المتصاعد من الأفغان الذين يلقون حتفهم في الصراع المتواصل.
وصرّح الجنرال دوجلاس لوت، مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القومي بشأن حرب أفغانستان في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما، في مقابلة مع محققين من الحكومة: «لم يكن لدينا فهم أساسي حول أفغانستان ولم نعرف ما كنا نفعله هناك. لم تكن لدينا أدنى فكرة عما نقوم به». وجاء في تقرير «واشنطن بوست» أن مسؤولين أميركيين أقروا أيضاً بأنهم دأبوا على إصدار «بيانات وردية» عما حققوه من تقدم في أفغانستان، رغم علمهم بأن هذه البيانات كاذبة، و«أخفوا أدلة لا لبس فيها بأن الحرب أصبحت لا يمكن كسبها». وصرّح بوب كراولي، الكولونيل المتقاعد الذي عمل مستشاراً لمحاربة التمرد في مقر الجيش الأميركي بكابول بين عامي 2013 و2014، بأن «كل معلومة كان يجري تعديلها لتقدّم أفضل صورة ممكنة».
وبعد معركة قانونية مستمرة منذ ثلاث سنوات مع السلطات الاتحادية، كشفت «واشنطن بوست» محتوى أكثر من 2000 صفحة لم تنشر من المذكرات ونصوص المقابلات مع مسؤولين وخبراء شاركوا في مسعى حرب أفغانستان. وفي عام 2014، كان مكتب المفتش الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، الذي يراقب التبديد والتلاعب بنفقات الحرب، وأجرى فريق المكتب مقابلات مع أكثر من 600 شخص وثيقي الصلة بالسياسة الأميركية في أفغانستان، ومن بينهم بعض المسؤولين الأوروبيين والأفغان، ضمن عملية تدقيق داخلية استهدفت التعرف على أخطاء الحرب وجهود إعادة الإعمار. وبعد قضيتين استندتا على قانون حرية المعلومات، حصلت «واشنطن بوست» على الوثائق والمواد المتعلقة بتقارير المكتب. وأشار كريج ويتلوك، من «واشنطن بوست» إلى أن «معظم المصادر كانت تتحدث مفترضة أن تصريحاتها لن تنشر، ولذا أقر مسؤولون أميركيون بأن استراتيجياتهم في خوض الحرب كانت معيبة بشكل قاتل، وبأن واشنطن أهدرت مبالغ هائلة من المال في محاولة تحويل أفغانستان إلى دولة حديثة».
وتلقي الوثائق الضوء على غرور مسؤولي إدارة بوش الابن الذين سخروا من مخاوف أن يتحول غزو أفغانستان عام 2001 إلى «مستنقع» ممتد. وأظهرت أيضاً مدى تشكيك عدد كبير من المسؤولين الأميركيين في أهداف إدارة بوش في إعادة إعمار أفغانستان التي مازال يمسك بتلابيبها صراع داخلي في كابول، ومازالت «طالبان» تسيطر على مساحات واسعة منها. وصرّح مسؤول سابق من وزارة الخارجية لم تُعلَن هويته، لمحققي الحكومة عام 2015، بأن «سياستنا تمثلت في خلق حكومة مركزية قوية، وهو ما كان حماقة لأن أفغانستان ليس لديها تاريخ في قيام حكومات مركزية قوية». وأشار كل المستشارين والمسؤولين الآخرين إلى الفساد واسع الانتشار الذي تحفّزه المبالغ الطائلة من أموال المساعدات الأميركية التي تدفقت على البلاد، مما قوّض فعالية العمليات الأميركية لمكافحة الإرهاب.
ذهبت أيضاً المحاولات الأميركية لتدريب قوات الأمن الأفغانية أدراج الرياح. وكشفت الوثائق عن إحباط عميق وسط المسؤولين العسكريين الأميركيين الذين كُلفوا بهذا التدريب. وذكر جندي أميركي لم تُكشف هويته، أن فِرق القوات الخاصة كانت تكره الشرطة الأفغانية التي كانت تدربها. وبعد مرور 18 عاماً على الغزو الأميركي لأفغانستان مازال أفراد القوات المحلية يلقون حتفهم في معارك، أحياناً بالعشرات كل أسبوع.
والنتائج التي توصلت إليها «واشنطن بوست» تؤكد فحسب ما يعرفه بالفعل بعض المراقبين. وقد كتبت كاتي كيزر مديرة السياسة في جماعة «الفوز دون حرب» التقدمية، في تصريح بالبريد الإلكتروني قائلة: «هناك القليل من الشك في أن التركة المميزة لهذه الحرب ستكون الخسائر التي لا تصدق في الأرواح وتبديد دولارات دافعي الضرائب، في بلد اتصفت بعض نخبه بالفساد المستوطن وتجارة الأفيون المنتعشة». لكن في واشنطن، وعلى ما يبدو، فإنه مازالت ثمة طائفة من النخب السياسية وأعضاء الكونجرس تدافع عن بقاء للقوات العسكرية الأميركية في أفغانستان، وإلى أجل غير مسمى، مؤكِّدين أن الانسحاب سيؤدي ببساطة إلى كارثة أكبر.
وما كشفت عنه الوثائق يوحي بأن كثيراً من المسؤولين الأميركيين، وربما بعض من دافعوا عن استمرار الحرب في أفغانستان، يشكون سراً فيما يدافعون عنه علناً.

* نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات