عاجل

البث المباشر

القضاء... وزمن التنظيفات

"شعب. قانون. قضاء". ثلاثية أطلقها أمس الرئيس سهيل عبّود في تخريج مجموعة من القضاة. وهي تختصر ما يطالب به الناس لقيام دولة لا خلاص للبنان إلا إذا كانت مكتملة الأركان، وأساسها العدالة.

وفي الحقيقة، نحن لسنا في غابة اللادولة حيث التسلّط هو السيّد، إلا لأنه "عندما ينتهي القانون يبدأ الطغيان"، وحين تنعدم المحاسبة ينفلت عقال الحكَّام قبل الرعاع، فلا احترام لأصول دستورية ولا لإرادة شعبية ولا لمال عام، ولا شعور إزاء بطالة فلكية وجوع يطرق أبواب الفقراء وسقوف تسقط على الضعفاء.

وإذ قيل إنّ "المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار"، فإن الأنظار تتجه إلى القضاء، كونه الحلقة المفقودة منذ استباح أهل "الجمهورية الثانية" كل مقومات الدولة، وهو الذي يُفتقد في ليالي "العهد القوي" الظلماء.

قلنا في السلطة الفاسدة ما تستحقه من شتائم، ومارسنا بحقها احتقاراً يناسب كل مقام. لا أحد يريد إسقاط النظام. الأصح ان المطلوب تطبيق القانون لحسن الانتظام. غير أنّ ذلك يحتاج إلى قضاء ورجال عدالة وإنصاف.

خضعنا للقضاء المسيَّس زمن الوصاية والهيمنة. اكتشفنا كثيرين تابعين وفاسدين وحظينا بقلة يعلو معها قوس العدالة وترتفع بها الهامات. وليس من لبناني الا ويعرف البئر وغطَاه. هذا ارتشى مباشرة وذاك مداورة. هذا "شرّابة خرج" لدى سياسي عيَّنَه وذاك وقف ذليلاً على باب متزعم أو رجل أعمال فاسد سهّل له التقدم في المناصب وتصدُّر المناسبات.

رئيس مجلس القضاء وضع اصبعه على الجرح وأكّد محاسبة أحد القضاة. هذا غير كافٍ حتى ولو كان أول الغيث. إنه جسم عليل يحتاج جراحة ومباضع حادة. ونحن نريد القضاء قبل الحكومات ونوعية الوزارات. نريد مثلاً، مدعياً عاماً مالياً يتحرك بلا مناشدات ولا إخبارات. نريده جدياً وقوياً ومنيعاً لا يقدِّم الاعتبارات على الواجبات. ونتوق لرؤية مرتكبين ترتعد فرائصهم أمام المحققين الشرفاء.

كفى القضاء دفن رؤوس في الرمال. كفانا قضاة ساكتين عن الحق، همّهم السلامة الوظيفية والولاء بدل الشجاعة وتحكيم الضمير. ثورة اللبنانيين ستُحبَط حتماً إن لم ترافقها نخبة قضاة أحرار. وستحقق أكبر إنجاز لو دفعتهم الى ممارسة واجبهم في تطبيق القانون.

يطالب الناس بالسلطة القضائية المستقلة وإعلاء شأن القضاء. وواجب الهيئات القضائية استعادة ثقة الشعب بها عبر محاسبة القضاة المتلكئين و"الشياطين الخرس" لأن عدم إحقاق الحق جريمة كاملة الأوصاف.

نتفاءل خيراً بالقضاة الجدد وبثلاثية رئيس مجلس القضاء، لكن لا وقت لعمليات التجميل. إنه زمن التنظيفات.

* نقلا عن "نداء الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات