عاجل

البث المباشر

السيارة الكهربائية على الطريق.. الآثار المترتبة على أسواق النفط والاقتصادات العربية

اكتشف هنرى فورد فى أوائل القرن العشرين السيارة ذات محرك الاحتراق الداخلى. وقد شاعت وهيمنت طوال القرن الماضى على وسائل النقل، وتغيرت المعالم الاجتماعية للمجتمعات والإمكانات التجارية بسببها. فاستطاع الإنسان أن يسكن خارج مركز المدينة ويتنقل يوميا من مسكنه إلى مركز عمله. كما استطاع الإنسان استعمال هذه المركبة لشراء حاجاته اليومية من الأسواق القريبة والبعيدة. واستطاعت العائلة استعمالها للسفر مسافات بعيدة لقضاء إجازاتها، إما داخل الدولة الواحدة وإما إلى دول مجاورة.
وتوسعت آفاق الشحن التجارى، كما أصبح بالإمكان السفر إلى أقاصى العالم والعودة بعد عقد الاجتماعات خلال يوم واحد أحيانا. لكن نظرا لتزايد استعمال المركبة، حيث نجد بعض العائلات تقتنى ثلاث أو أربع سيارات، إحداها للأب، والثانية للأم، والثالثة والرابعة للبنين والبنات فى العائلة من أجل التنقل إلى المدرسة أو التنزه، من ثم ازداد استعمال السيارة بكثرة، مما فاق إمكانية شوارع المدن الكبرى فى استيعابها بالذات فى حال غياب التخطيط الرشيد للمواصلات، وهو ما أدى اختناقات الشوارع والازدحام المزعج ومضيعة الوقت فى طرق المدن. وهو الذى أدى بدوره إلى تزايد انبعاثات ثانى أوكسيد الكربون من عوادم السيارات والتذمر العالمى من التلوث المناخى وما يسببه من أمراض.
طبعا، لقد تغير هيكل وشكل المركبة من ذاك الطراز الأولى «ت ــ فورد» الذى اخترعه هنرى فورد قبل نحو 100 سنة. فكانت السيارة فى بادئ استعمالها بسيطة الشكل نوعا ما، لكن كبر حجمها تدريجيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فأنتجت مصانع ديترويت، عاصمة صناعة السيارات العالمية فى حينه، المركبات الضخمة الحجم التى استهلكت الكثير من الوقود. لكن انقرض هذا النوع من السيارات فى أواخر عقد الستينات حيث غزت الأسواق السيارة اليابانية الصغيرة الحجم نسبيا وذات الاستهلاك الأقل للوقود.. غزت السيارات اليابانية، ومعها معظم أنواع السيارات الأوروبية، الأسواق العالمية. وساعد على هذا التغير المهم فى صناعة السيارات ذات الاستهلاك الأقل للوقود ارتفاع أسعار النفط منذ أوائل عقد السبعينات نتيجة قرارات منظمة الأوبك التاريخية. وتقلص إنتاج السيارات فى ديترويت، بحيث أعلنت المدينة إفلاسها. لكن، وبعد نحو فترة قصيرة نسبيا، توسع حجم السيارة، إذ اتجه المستهلك إلى السيارة ذات الدفع الرباعى التى تستهلك الكثير من الوقود.
***
على الرغم من هذه التغيرات على شكل السيارة، بقى محركها هو نفسه دون أى تغيير جذرى، وهو ماكنة الاحتراق الداخلى. لكن مع الاهتمام العالمى فى النصف الثانى للقرن العشرين بتقليص استهلاك الوقود الأحفورى، بالذات النفط منه، للتخلص من ظاهرة الاحتباس الحرارى، ولمحاولة وضع حدود دنيا للاستيراد الضخم والاعتماد الاستراتيجى على النفط العربى منه بالذات، بدأت المحاولات التجريبية لاختراع السيارة الكهربائية (الحديثة) بديلا عن سيارة ماكنة الاحتراق الداخلى (القديمة). لقد شرعت القوانين حكومات الدول الصناعية أو الولايات الكبرى فى بعض هذه الدول (ولاية كاليفورنيا) من خلال منع استعمال السيارة القديمة ذات الانبعاثات العالية لثانى أوكسيد الكربون على بعض الطرق منذ الآن أو فى مواعيد قريبة لاحقة. كما دعمت حكومات بعض الدول الصناعية استعمال السيارة الكهربائية من خلال تقديم المنح لمراكز البحوث أو تقليص الضرائب على مبيعات السيارات الحديثة لكى تستطيع منافسة السيارة القديمة، وذلك بتقليص نفقات تصنيع السيارة الحديثة وتخفيض سعرها لينافس السيارة القديمة. إلا أنه على الرغم من هذه المساعدات خلال العقود القليلة الماضية، فإن السيارة القديمة تبقى مهيمنة على أسواق السيارات العالمية، ولا تزال السيارة الحديثة لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جدا من نسبة السيارات فى الأسواق العالمية.
من الصعب الحصول على أرقام دقيقة لعدد المركبات التى يتم بيعها سنويا فى مختلف دول العالم نظرا للسوق العالمية الواسعة للمركبات (السيارات، الشاحنات والباصات) وعدد المصانع لهم عالميا، فالأرقام المتوافرة هى تقديرية وصادرة عن جمعيات أهلية مهتمة بالسيارات، من ثم تشكل أرقاما تقريبية وليست دقيقة.
تشير الإحصاءات إلى تواجد 1.4 مليار مركبة تقليدية فى العالم عام 2018، مقارنة بنحو 670 مليون مركبة عام 1996 و342 مليون مركبة عام 1976.
أما بالنسبة إلى مبيعات المركبات الكهربائية، فقد سجل مجمل مبيعاتها العالمية فى عام 2017 نحو 1.2 مليون مركبة ونحو 1.6 مليون مركبة فى عام 2018 وتقدر المبيعات بنحو 2 مليون مركبة كهربائية فى عام 2019. تشير هذه الزيادات السنوية المحدودة حتى الآن إلى الصعوبات التى تواجه المركبة الكهربائية فى اختراق سوق المركبات التقليدى، وكذلك إلى الوقت الذى ستأخذه حتى تستطيع حقا منافسة سوق المركبات العالمى التقليدى.
هناك نحو 165 موديلا مختلفا للمركبات الكهربائية. واحتلت شركة فولكسواجن فى عام 2017 المرتبة الأولى فى انتاج المركبة الكهربائية، تلتها شركة تويوتا، ثم شركة فورد.
تدفع المنافسة ما بين المركبتين إلى النظر بإمعان إلى حجم كل منهما فى الأسواق حاليا وفى المستقبل المنظور. والإشارة إلى العقبات التى تواجه المركبة الحديثة. وما هو تأثير شيوع المركبة الكهربائية فى حال تخطى العقبات العلمية والتسويقية لها. وما هو التأثير على أسواق النفط، وقود الطاقة الأهم خلال القرن العشرين. وما مدى التأثير على الريع المالى الأهم لمنطقة الشرق الأوسط ذات الاحتياطات الأضخم؟
***
يشكل قطاع المركبات البرية أضخم قطاع لاستهلاك النفط، إذ إنه يمثل نحو ربع الطلب على النفط عالميا. وتقدر بعض الدراسات أنه فى حال نجاح تطوير المركبة الكهربائية، فإنه من الممكن تقليص الاستهلاك العالمى للنفط بنحو 25 مليون برميل يوميا، أو نحو تخفيض الاستهلاك العالمى للنفط بنسبة 25 بالمئة. إذ يبلغ مجمل الإنتاج والاستهلاك العالمى النفطى اليوم نحو 100 مليون برميل يوميا، وذلك حسب دراسة نشرت أخيرا للباحثة ماريان كوه لمعهد دراسات الطاقة العالمية فى جامعة كولومبيا.
من المهم الأخذ بنظر الاعتبار أن النفط يُستعمل أيضا فى توفير اللقيم للصناعات البتروكيماوية. ويستخدم أيضا فى توليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى مصادر طاقة أخرى (المستدامة والغاز)، ومستقبلا فى شحن بطاريات السيارات الكهربائية، وخصوصا بطاريات الناقلات والباصات التى ستعتمد على عدد ضخم من البطاريات الحديثة. من ثم، فعلى الرغم من أن استهلاك النفط سينخفض مع شيوع السيارة الكهربائية، فإن من الخطأ الاعتقاد أن استهلاك النفط سيتوقف مع استعمال السيارة الكهربائية، إذ إنه سيبقى له دور، وإن كان أقل أهمية فى عصر السيارات الكهربائية.
على الرغم من الدعم الواسع الذى تحصل عليه مصانع الشركات فى تطوير السيارة الكهربائية، فإن مجمل مبيعاتها عالميا لا يزال ضعيفا للغاية. والتوقعات أن يستمر دورها محدودا جدا فى الفترة الحالية والمستقبل المنظور.
وبما أن اقتصاديات سوق المركبات يعتمد اعتمادا كبيرا على حرية التجارة وعلى الأحوال الاقتصادية، بالإضافة إلى معدل زيادة السكان وارتفاع مستواهم الاجتماعى، وبما أن هذه العوامل فى وضع دقيق نتيجة المفاوضات التجارية ما بين الولايات المتحدة الأمريكية ومع كل من الصين ودول السوق الأوروبية المشتركة ودول الآسيان ودول نافتا الأمريكية الشمالية ــ فإنه من المتوقع أن تؤثر هذه العوامل الثلاث سلبيا على نمو السيارة الكهربائية بسرعة. وعلى الرغم من الانتهاء من بعض هذه المفاوضات فإن مجرد التشهير بإمكانية شن حروب تجارية قد أدى إلى الخوف والحذر فى بعض الأسواق، بالذات فى الدول الناشئة والنامية، وهو ما سيؤثر سلبا على مبيعات السيارات، بالأخص الكهربائية منها.
***
تقدر الدراسات أن كلفة البطاريات الكهربائية فى السيارات حاليا تتراوح بين 175 ــ 200 دولار كيلووات/ ساعة، بينما المطلوب للمنافسة الاقتصادية مع السيارة القديمة هو 100 دولار كيلووات/ ساعة. ولا يتوقع التخفيض إلى هذه الكلفة قبل عام 2025. من ثم، لا يتوقع أن تصبح السيارة الكهربائية منافسة اقتصاديا مع السيارة القديمة قبل عام 2030. والسبب فى هذا التأخير فى تخفيض التكاليف وإمكانية المنافسة هو زيادة أسعار المعادن المستعملة فى البطارية الكهربائية مثل الليثيوم، بالإضافة إلى الوقت اللازم للتقدم التكنولوجى للبطاريات الكهربائية، بالذات توسيع طاقة التخزين للبطاريات لتطويل المسافة التى تحتاجها السيارة الحديثة لشحن البطارية الكهربائية والتى هى أقل بكثير من مسافة السيارة القديمة، مما يخفض من إمكانية منافستها.
تفيد دراسة الباحثة كوه لمركز دراسات سياسات الطاقة العالمية فى جامعة كولومبيا، بأنه حتى فى حالة انخفاض مبيعات السيارات القديمة بحلول عام 2040، فهذا لا يعنى بتاتا أن مجمل الطلب على النفط سينخفض لأنه من المتوقع فى نفس الوقت ازدياد الطلب على النفط من قطاعات من الصعب استعمال البطاريات الكهربائية فيها فى المستقبل المنظور، مثل البتروكيماويات والنقل بالشاحنات والجوى والبحرى.
فى نفس الوقت، يتوقع أن تصبح زيادة الطلب على النفط معتدلة نسبيا أو حتى منخفضة قليلا خلال الفترة 2025 ــ 2035 نظرا للاهتمام المتزايد بالسياسات البيئية وتحسين المناخ. لكن على الرغم من ذلك، ستضطر الصناعة النفطية العالمية إلى الاستمرار فى الاستثمار لزيادة وتطوير الاحتياطات النفطية، وهذا على الرغم من التوقعات بزيادة قليلة فى الطلب على النفط خلال العقدين المقبلين، وذلك لتعويض ما يتم استهلاكه.
وبالنسبة لاقتصاديات الدول العربية، المنتجة للنفط أو غير المنتجة منها، فإن الرسالة واضحة. إن الكلام عن تغييرات صناعية أساسية فى المستقبل المنظور بخصوص الطلب على النفط (العقدين المقبلين) يتوجب عليه تبنى سياسات اقتصادية إنتاجية أكثر بكثير مما تم اتباعه من مشاريع ذات كلف خيالية وغير إنتاجية حتى الآن، هذا بالإضافة إلى إعادة كاملة لسياسات توظيف الملايين من الموظفين فى الخدمة المدنية دون إنتاج يذكر، بل مزيد من التعقيدات والعراقيل لتأدية خدمات المواطنين، وأخيرا وليس آخرا، البدء جديا من الآن بوضع حد لسرطان الفساد الذى ينخر فى اقتصادات أغلبية الدول العربية.
لقد دعى العديد من الاقتصاديين العرب إلى تبنى هذه الإصلاحات الاقتصادية منذ عقود. وقد وصلنا الآن إلى مرحلة جديدة وأساسية فى تجارة النفط العالمية، مرحلة من المحتمل جدا أن تواجهنا خلال السنوات القريبة المقبلة.

*نقلا عن "الشروق".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة