عاجل

البث المباشر

عبدالله الرشيد

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

هل «الحنبلية» تعني التشدد ؟

أتذكر أستاذاً مصرياً في جامعة الإمام ألح عليه أحد الطلاب ببعض الأسئلة الدقيقة، فرد عليه المدرس متذمراً: «خلاص ما تكونش حنبلي»!.. حبس الصمت القاعة لوهلة من هذا الرد، تفاجأ الطلاب من هذه العبارة، وما هو المقصد، وهل يطعن هذا الأستاذ في الحنبلية هنا وفي هذا المكان!! تدارك المدرس الموقف سريعا، وشرح قصده بأنها كلمة دارجة في مصر، ومعناها «لا تكن متشدداً دقيقاً، وإنما تحل ببعض المرونة» واتبع كلامه: «حاشا لله أن أقصد قدحاً في المذهب الحنبلي، وإنما هي عبارة تجري على اللسان دون قصد». هدأت القاعة قليلاً مع بعض من الاستهجان والارتياب.

هذه العبارة العامية الدارجة تكشف عن ظن شائع في العالم الإسلامي، أن المذهب الحنبلي يعني التشدد والصرامة، وأن الحنبلية مرادفة للتنطع الديني، والالتزام المبالغ فيه، لكن الحقيقة ليست كذلك، بل العكس تماماً، فالمذهب الحنبلي أكثر المذاهب توسعاً ومرونة في الفروع، وقواعده تغلب حكم الإباحة، وتقلص مساحة التحريم.

حين نرجع إلى أصول مذهب الإمام أحمد، نجد في قواعده الفقهية بابا كبيرا، تندرج عنه فروع وتطبيقات واسعة، هذا المبدأ هو أن «الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، والأصل في العبادات الوقف والحظر»، بمعنى أن كل ما يخص شؤون الناس ومعاملاتهم المالية والاجتماعية وغيرها، الأصل فيه أنه مباح وحلال وجائز، ما لم يأت دليل ينص على تحريمه، «فما سُكت عنه فهو عفو». وهذا الأصل له أثر كبير في تعزيز مساحة المباح داخل المذهب، وتغليب المرونة الفقهية في التعامل مع المستجدات. ومن هذا الأصل قواعد فقهية كثيرة، أهمها وأكبرها قاعدة «اليقين لايزول بالشك»، وهي قاعدة فقهية كبرى بين جميع المذاهب، لكنها وجدت ازدهاراً وثراء عند الحنابلة، وتفرعت عنه قواعد فقهية كثيرة مثل: الأصل براءة الذمة، الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في العقود الصحة، الأصل في الصفات العارضة العدم.

ولذلك تفرد المذهب الحنبلي في المعاملات المالية وأصبح أكثر المذاهب توسعاً فيه وتيسيراً، فمثلا أجاز عقودا وشروطا لم يجزها غيره من المذاهب، كبيع العربون، والتورق، واشتراط الخيار أي مدة معلومة، وجواز البيع بغير ذكر الثمن اعتمادا على العرف الثابت، وغيرها.

لكن وصف التشدد الذي يُلصق أحيانا بالحنبلية، المقصود هو دقة المذهب في باب العقيدة، وباب العبادات، فـ«لا إحداث في أي عبادة إلا بدليل»، كما أن حرص الحنابلة وعنايتهم بباب العقيدة جعل مذهبهم أقرب إلى أن يكون مذهباً في العقيدة والفقه معاً، ففي حين تتنوع معتقدات واتجاهات شيوخ وعلماء المذاهب الفقهية الأخرى (المالكية والحنفية والشافعية) فإن المذهب الحنبلي على قدر ما يعبر عن منهج فقهي محدد، فهو يعبر أيضاً بصورة بالغة الوضوح عن أهل الحديث والأثر، السنة والجماعة.

*نقلا عن "عكاظ".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات