دمعتان على خدّ خامنئي

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

هي مرحلة ما قبل الاتفاق النووي بقليل، وما بعده.. اتفاق أوباما "المسالم" الذي سلّم مفتاح المنطقة لإيران مقابل توقيع بالحبر على ورق وبالدم في ميادين سوريا والعراق واليمن وفي لبنان (مع وقف التنفيذ). يومها انتقلت طهران من مرحلة التخطيط لمرحلة التنفيذ، وما تلاه من تحرير عشرات مليارات الدولارات للقادة الإيرانيين الذين صرفوها على الميليشيات. بسلاحها زرعوا "الرعب" وبالسياسة قطفوا "الخضوع" بمساعدة داخلية من ضعفاء للمال والمناصب، لتعود وتضجّ في المسامع تصريحات مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي الذي جاهر من بيروت أنهم يسيطرون على 4 عواصم عربية.. حتى خريف 2019.

ففي خريف العام الفائت، بدأ المخطط الإيراني يتهاوى في بغداد وبيروت، بعد أن كان مستشار الرئيس الإيراني لشؤون الأقليات علي يونسي وصف العراق في 2015 بـ "عاصمة إمبراطورية إيران الجديدة" ولبنان حيث حزب الله، يدُ النظام الإيراني اليمنى.. وفي البلدين تلقى المرشد الإيراني علي خامنئي الصفعة الأولى من شعبين انتفضا ومدّا الجسور بينهما. حاجز "الرعب" من الميليشيات انكسر والثورة على الخونة وضعفاء المال والسلطة قامت! صفعة شعبية ووطنية بوجه المكاسب السياسية التي خططت لها إيران لعقود وحققتها تباعاً.

أمّا الصفعة الثانية فأتت من على بعد آلاف الأميال، وقضت على مهندس السياسة التوسعية ومنفذّها قاسم سليماني "الابن المدلّل لخامنئي" ويكفي متابعة الصور التي بثها الإعلام الإيراني الترويجي لفهم أهمية "الفقيد" لديه، ولسياسته في العراق وسوريا وغزة ولبنان واليمن. هو الذي ألغى الحدود بين تلك الدول وخرق المعابر وظهر هنا وهناك في الساحات تحت شعار "الثورة الإيرانية عابرة الحدود" وارتبط الشعار به وقد يكون انتهى معه.. حتى لو حاول المرشد الترويج بعكس ذلك: وبأن الخلف لا يقلّ شراسة عن السلف.

مكاسب سياسية تتهاوى، وسياسة توسّعية تتشتت.. المرشد الإيراني تلقىّ صفعتان بأقل من ثلاثة أشهر، فيما الردّ الفعلي والفعّال لم يأتِ بقدر ما كانت عليه النبرة الصادحة من أبواقه كما العادة. هي النبرة التي ينتهجها النظام الإيراني لرصّ الصفوف الانفعالية لدى مناصرين يعبئهم بوجه "الأعداء"، بينما لم يصل تل أبيب إلا بصوته وخطاباته الرنّانة وبعض الرسوم على صواريخ في استعراضات عسكرية في طهران وضاحية بيروت الجنوبية وصنعاء.. أو بأصبع ممدود على شاشات التلفزة من مؤتمِريه يصوّبونه إلى أميركا إسرائيل بخلاف صواريخهم "الذكية" والدقيقة".

إيران ردّت بما يحفظ لها ماء الوجه مع جماعتها (أقلّه لحين). ردٌّ جاء بحجم التوقّعات ترافق مع هجوم كلامي تصعيديّ وصواريخ على منشأة أميركية لم تُسقط أي جندي أميركي وفق تصريحات واشنطن. إذن هو الرد الكلاسيكي بنبرة أعلى من فاعليته، استهدف قاعدة عين الأسد في العراق وسطّر أزمة الردّ التي كانت ولا تزال واضحة. فطهران منذ اغتيال سليماني تخبّطت بين ردّ خجول يفقدها هيبتها، ورد قوي فعّال يفقدها نظامها. بين هذا وذاك لا يزال خامنئي يواجه على أحد خدّيه تظاهرات شعبية في إيران والعراق ولبنان تهددّ مكاسبه السياسية تباعا، وعلى الخدّ الآخر اغتيال لمشروعه التوسعي في بغداد وبيروت وفي دمشق ـ على حساب الصديق الروسي اللدود. هما دمعتان على خدّ خامنئي، بين "حسرة وكسرة"، بين أزمة وأخرى، بين خسارة سياسية وأخرى لمشروعه التمدّدي الذي صرف عليه أموال الشعب الإيراني.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.