عاجل

البث المباشر

برلين.. حظوظ الفشل وفرص النجاح

على بُعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة من لقاء برلين المنتظر كمحاولة ضمن محاولات عديدة لاستنقاذ ليبيا من وهدة الحرب الأهلية المستعرة والانقسام المجتمعي الحادث بين الليبيين أنفسهم، يتساءل المرء ما هي حظوظ النجاح وماذا عن احتمالات الفشل؟

المؤكد أننا لسنا أمام أول محاولة لجمع الأضداد على مائدة تفاوض واحدة، فقد سبق وجربت إيطاليا المستعمر السابق لليبيا حظوظها في باليرمو بإيطاليا في نوفمبر 2018، وتبعتها بالضرورة وبحكم المنافسة فرنسا التي يعزى إليها الدور الأكبر في إسقاط القذافي، ربما مداراة ومواراة للفضائح السياسية الخاصة بساركوزي وعلاقته بليبيا، في مايو من نفس العام، وكما فشلت قمة باليرمو، أخفق لقاء باريس، لاسيما أن النوايا الحقيقية الكامنة في روما وباريس لم يكن هدفها الحقيقي يوماً إنهاء الأزمة الليبية، بقدر الصراع البراغماتي بين العاصمتين الأوروبيتين القريبتين من ليبيا، والمتشارعتين والمتنازعتين على النفط والغاز في الأراضي والمياه الليبية.

نادراً ما تبدي ألمانيا رغبة في لعب أدوار سياسية، ربما كان هذا في الماضي، وقد كان الألمان قانعين بدور القاطرة الاقتصادية في القارة الأوروبية، غير أن التوجهات الألمانية الحديثة تمضي في طريق بلورة أدوار سياسية وربما عسكرية حول العالم، ما يشي بصحوة دولة بسمارك من جديد.

هل يمكن لقمة برلين أن تصيب نجاحاً فيما أخفقت فيه اللقاءات السابقة وقد كان آخرها لقاء موسكو، والذي وإن حرك المياه الراكدة قليلاً، إلا أنه عجز عن التوصل إلى صيغة تصالحية بين الشرق والغرب، حفتر والسراج؟

الجواب ليس يسيراً، والذين اطلعوا على ما راج أنه بنود الاتفاق المزمع التوصل إليه في برلين، يمكنهم القطع بأن الخرق أوسع من قدرات الراتق، وأن 54 بنداً لا يمكن التوصل إليها في لقاء يستمر ليوم أو يومين في برلين أو مدريد أو أي عاصمة حول العالم.

الجزئية التي ربما تغيب عن أعين الكثيرين هي أن الصراع الدائر هناك صراع غير متكافئ، فالجيش الوطني الليبي يكافح وينافح من منطلقات مدنية وقومية أي أقرب ما تكون إلى العقيدة الأيديولوجية، فيما الجانب الغربي عند جماعة السراج تجد نفسها مساقة بدوافع عقائدية ودوغمائية، ومن سوء الطالع أنها تجد من يدعمها بالمال والعتاد أولا، وبالفكر الديني المنحول ثانية.

قبل برلين بثلاثة أيام يمضي الأغا العثمانلي المسكون بهواجس الماضي الذي لا يعود إلى الإعلان رسمياً عن بدء بلاده في إرسال قوات إلى ليبيا، وهناك تقارير خارجية غربية تشير إلى أن ألفي مقاتل سوري سافروا من تركيا أو يوشكون على الوصول إلى ساحات المعارك في ليبيا.

المرتزقة السوريون والأتراك، توجههم الأطماع في المال والوعد بالحصول على الجنسية التركية من جهة، ومن جهة أخرى وهذا هو الأخطر التوجيه الذهني الديني لاسيما بعد أن انتشرت مكالمات هاتفية على وسائط الواصل الاجتماعي لرجال يتحدثون بلهجة سورية يزعمون أنهم في طرابلس للدفاع عن الإسلام.

ضمن البنود الـ 54 المطروحة على مائدة النقاش في برلين تسريح أفراد الجماعات المسلحة ودمج المؤهلين من أبناء الشعب الليبي إلى الدولة، دون أن يحدد هذا البند إلى أي طرف ينبغي دمج هؤلاء.

السلاح والميليشيات هي التي تتحدث في ليبيا الآن وليس أصوات السياسيين والسؤال المطروح على القيادات الدولية في برلين كيف يمكن أن يدعى أردوغان للحضور والمشاركة في مؤتمر يختصّ بمستقبل ليبيا والليبيين، وهو ركن رئيسي في اشتعال أوار المعركة هناك، وفي مخالفة واضحة وصريحة لقرار مجلس الأمن 1970 لسنة 2011؟

القبول بهذه المشاركة إما أن يكون ضرباً من ضروب الازدواجية الدولية المتكررة والمعتادة، أو أن يكون شراكة في مؤامرة أكبر تلوح علاماتها منذ وقت طويل، وهي بالتصريح وليس التلميح تقسيم ليبيا إلى ثلاث دول شرقاً وغرباً وجنوباً، وبالتالي اقتسام خيراتها كقسمة الغرماء، وما دون ذلك فهو لغو وكلام زائف لا معنى له.

يتساءل المرء كيف يمكن لقمة برلين أن تستثني تونس من المشاركة في هذه القمة، وكذلك أن لا تعير التفاتة إلى اليونان، ويجد السلطان المنحول طريقه إلى هذه القمة، وعن أي مجلس رئاسي تتحدث البنود المسربة من برلين، والأطراف الفاعلة رافضة الجلوس في غرفة واحدة، وقد يكون للبعض حجة حقيقية فكيف للجيش الوطني الليبي أن يجلس إلى ميليشيات ومرتزقة وجماعات خارجة عن الإجماع الوطني الليبي؟

مثير جدا المشهد الروسي التركي، وهذا الاندفاع الروسي لاستخدام الأتراك من جديد كخنجر في خاصرة الأوروبيين بداية والأميركيين تالياً، وكأن الهدف المتواري هو إيجاد موطئ قدم على ساحل المتوسط ولو بالوكالة التركية، أو على الأقل إبعاد تركيا عن سوريا لتصبح فضاء مستباحاً للروس، وفي المقابل إطلاق يدي أردوغان في غاز ومياه المتوسط، وإحياء أحلام اليقظة لديه، لا سيما تلك المتعلقة بالجذور العثمانلية على الأراضي الليبية.

يذهب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للمشاركة في أعمال قمة برلين، وعلى الأذهان علامة استفهام أكثر إثارة ضمن دائرة متشابكة ومتعقدة من الأسئلة: "ما هو موقف أميركا من الأزمة الليبية، ومن تحركات أردوغان المسلحة؟

الموقف باهت وغائم، وكأني بواشنطن تفكر بنفس عقلية الكابتن مورجان قرصان القراصنة، والذي لا يغير مباشرة على السفن في المياه، بل ينتظر سفن القراصنة العائدة ليغير عليها، فيفوز بالسبق الأكبر والنصيب الأوفر من الغنائم.

هل هذه نظرة سلبية متشائمة لقمة برلين؟

ولما لا تكون رؤية واقعية، تنطلق من خلال اليقين بأنه إن لم يكن التاريخ برمته مؤمرة، فإن المؤامرة قائمة وقادمة في بطون التاريخ.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات