عُمان.. الإعمار والبناء ثورة أيضاً

رشيد الخيون

نشر في: آخر تحديث:


لعل الإنسان العراقي، بعد الحروب والحصار والفساد بالثروة وسفك الدماء الجارية، أول الناس ملاحظةً للشعوب الآمنة والمستقرة، مصلحة الداخل عندها قبل مصالح الخارج، لا تغريها شعارات مقاومات وممانعات، فمصائب العالم لا يصلحها شعب ولا حكومة، كي تصبح المقاومة عذراً في إشاعة السِّلاح والعنف، ومع عظمة الجراح يُشدد حملة السّلاح على الإصرار في المغامرة بالشعب، وما المطالبون بالحقوق مِن الشَّباب غير «طابور خامس» دماؤهم مباحة.
تلك مقدمة لما نقوله في رحيل السُّلطان قابوس، بعد حُكم دام خمسين عاماً (1970-2020)، شيد خلالها لشعبه نظاماً وأمناً واستقراراً، حاول الإسلام السياسي الممثل بـ «الإخوان»، والذين عادوا مِن الدراسة بمصر والأردن، إقلاق هذا الاستقرار عبر تنظيم سري، لكن الفرصة كانت غير سانحة (الإسلاميون في الخليج القضايا، كتاب مركز المسبار للدراسات والبحوث، رقم 45). فهل الأنظمة التي أقامها إسلامهم السياسي ستضاعف البناء والإعمار بعُمان أم ستفتحها لوهم «الخلافة»، وطاعة المرشد الأجنبي؟! بينما عُمان نجحت في الحفاظ على محليتها، وتقدمت بهدوء خالعةً أسمال تركةٍ الماضي الثقيلة، فقد جاء السلطان قابوس إلى الحكم وبلاده مشتتة بين ثورة عاصفة بإقليم ظفار، وحياة أقرب إلى البدائية، ناهيك عمَّا حاول الأجنبي مِن فرضه عليها.

كانت الحرب الباردة مؤثرةً مباشرةً في ثورة ظفار (1965-1975)، فهي المدعومة مِن قِبل عدن، والدعم مِن المعسكر الاشتراكي ومصر النَّاصرية، والحدود بين صلالة عُمان ومهرة اليمن الجنوبية مفتوحة. لكن توقف الدَّعم، بعد قيام علاقات بين عدن ومسقط، ثم انتهاء الثَّورة، حتى أن علي سالم البيض، وهو أحد قادة تلك الفترة، اختار صلالة لإقامته بعد اجتياح عدن وحضرموت مِن قِبل قوات صنعاء. إنها مفارقة كبرى من مفارقات الزمن، أن يحل قادة مِن أبرز قادة الاشتراكيين في المكان الذي كان فيه الثوار المدعومون مِن قبلهم ضد عُمان، بل وتغدو عدن محتمية بخصومها السابقين، حيث كان التقسيم على أساس المعسكر التقدمي والمعسكر الرَّجعي!
الثورات أو الانقلابات، فشلت في أكثر مِن مكان، وها هي البلدان تأن مِن آلام سلسلة الانقلابات، وليس أوضح مِن نتائج ما حدث بالعراق وليبيا وغيرهما. غير أن ما حصل إثر تولي السلطان قابوس يمكن لنا اعتباره ثورياً أيضاً، في طفرة النهضة والتنمية.
كان السلطان قابوس لا يحب «الدَّم»، لذا عالج قضايا ثوار ظفار بحكمةٍ، فلا إعدامات ثورية ثأرية، حصل العديد منهم على وظائف، بل ووظائف مرموقة في الدولة، وهذا أول خطوة صحيحة نحو السلم الاجتماعي، والتنمية بالاستفادة مِن الطاقات والخبرات. شيدت المدارس على طول البلاد وعرضها، ومدت الكهرباء، وطرق المواصلات، وبسط الأمن والاستقرار.
كانت أولى تطلعاتي لزيارة عُمان التي قرأت عنها كثيراً، بلاد وقفت على مشارف سفوح جبالها خيول الحجاج الثَّقفي (ت 95 هـ)، ثم هارون الرَّشيد (ت 193هـ).
جاءت الفرصة لزيارتها (2015)، عندما وجدت نفسي قريباً فدخلتها، شاهدتُ أغلب مواقعها التَّاريخية، بمساعدة صديق كريم مِن أهلها، فكتبتُ حينها مقالاً: «مسقط البيضاء: عِمامة وابتسامة وطائفية مَوْءُودَةٌ» (مجلة المجلة)، وبالفعل هكذا رأيتُ العُماني «عِمامةً وابتسامةً»!
تم ضمن النهضة العُمانية، وهذا ما يمكن تسميته بالثَّورية الهادئة، الاهتمام بالفنون وحسبتُ، قبل دخول دار الأوبرا، أنها مقحمة على المجتمع العُماني، فوجدتها دارَ موسيقى واسعة، متقيدة بالماضي المعماري، مثل بقية العمائر. لم تكن نافرة عن مدينة مسقط، فمِن تقاليدها أن العُماني لا يجوز له الدخول إليها إلا مرتدياً الزَّي الوطني، مع التقيد الصَّارم بالوقت وعدم التصوير الخاص، وعدم قبول أي مظهر لا يتفق مع أناقة الموسيقي. صارت الدار مقرّاً للفرقة السمفونية العُمانية، المؤلفة مِن (150) عازفــةً وعازفاً، بُعثوا لدراسة الموسيقى في العواصم الأوروبية.
صاحبَ النهضة التي قادها السلطان قابوس، وتقبلها العُمانيون بيُسر، إخماد النعرات الطائفية، وفق قوانين صارمة، وثقافة وتربية تبدأ مِن المناهج الدِّراسية، فلا تستغرب مِن صلاة ثلاثة مذاهب في مسجد واحد، وهذه الثَّقافة حصنت العُماني مِن التَّعصب. يمنع التنابز بلقب قبلي أو ديني أو مذهبي أو مناطقي. وجدتهم يحتفلون بالخليل الفراهيدي (ت170هـ)، فقلتُ إنه بصري، قالوا إنه أزدي وأزد عُمانية، لكنَّ الفراهيدي ببصرته، قرأتُ لمن اعتبره شيعياً وآخر سُنياً، أما بعُمان فاعتبروه عُمانياً ولم يزيدوا.
أحسب أن نهضةً حوّلت عُمان، على الرغم مِن تركة القرون الخوالي، وما خلفته الحروب، ويُضاف إليها الطبيعة صعبة المراس، لا تخرجُ عن مفهوم الثورة بمعنى النَّهضة، وهي ثورة الإعمار والبناء، وهنا لا بد مِن الاعتراف بدور الفرد في إدارة هذه النهضة، لذا حظي السلطان قابوس، بمنزلة عالية لدى شعبه، فهو عصم بلاده مِن الحروب والشتات والتمزق.
عودة على بدء، كلما رأيت وطناً مستقراً، لا تسوده الطّائفية، أتذكر العراق، فماذا ينقصه، غير قيادة مخلصة فيها شيء مِن إخلاص قابوس لشعبه ووطنه، لا تعطي الأجنبي أكثر مما تأخذ منه، تبدأ خطوة التَّنوير والتثوير، مِن أجل البناء والإعمار.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.