عاجل

البث المباشر

عبدالله بن بخيت

كاتب سعودي

كاتب سعودي

صندوق المثقف المعوز

مع بداية الثمانينات في سنوات حماسة حركة الحداثة طرحت في النوادي الأدبية فكرة إقامة صندوق المثقفين المعوزين. بنيت هذه الفكرة على الصناديق التي أقامتها الدولة في السبعينات لدعم الاقتصاد الوطني الناشئ حينها، مثل صندوق التنمية الصناعية، وصندوق التنمية العقارية، وغيرهما. كانت الأجواء عاطفية بسيطة. دخل النفط على العواطف الطيبة التي كان يتصف بها أناس ذلك الزمن، فأصبح الجو خليطًا من العاطفة والطيبة وسيولة النفط. فأطلقنا على زماننا ذاك من باب التندر عصر (الهدة). الهدة تعني أن هناك مالًا أو أشياء منتثرة في الشارع يتسابق الناس عليها: قوارير بيبسي أو تمر منتثر جراء حادثة، فينهد الناس عليها، وكل يأخذ نصيبه بما تطوله يده، الحصول على شيء دون جهد حقيقي. في تلك الأجواء ظهرت فكرة صندوق المثقف المعوز، بدأنا نناقشها في النوادي الأدبية. أعتقد أنه أقيمت لها ندوات رسمية. فئة قليلة منا أخذتها العواطف وأيدت وباركت الفكرة وقررت الرفع للمسؤولين لشمول المثقفين في برامج الهدة، وفئة قليلة منا تذكرت أن المسألة الثقافية لا علاقة لها بالهدة. المثقف جزء من المواطنين كالمغنيين والرسامين والنحاتين والسباكين، رغم أن كل هؤلاء يمكن حصرهم في تعريف واضح باستثناء المثقف. هل هو كل من كتب في الجرائد أو من ألف كتيبًا أو اشتغل يومًا محررًا في صحيفة. إذا كنا بصدد إنشاء صندوق للمثقف فلا بد أولاً أن نحدد بتعريف دقيق من هو المثقف، أن يكتب مقالًا أو مقالين أو يؤلف كتيبًا صغيرًا ثم يجلس في البيت ينتظر الدولة تكد عليه، هذه فكرة نفطية خالصة.

الدولة مسؤولة عن مواطنيها كافة سواء كانوا مثقفين أو أميين، لماذا نريد من الدولة أن تميز المثقف عن السباك؟ الدولة لا تنظر لمواطنيها بمنظار الإعجاب أو الشهرة أو طيبة الداعمين له في الإعلام. الإنسان الذي لم يحقق شيئًا يجعله مستحقًا في التأمينات أو التقاعد يلجأ إلى الضمان الاجتماعي كغيره من المواطنين.

كل إنسان يسمى عاملًا: مثقفًا كان أو سباكًا. على قدر عملك تأخذ في نهاية خدمتك.

لا يوجد في أي مكان صندوق يكد على خلق الله هكذا، ثمة نظام. المؤسسات الحكومية أو الأهلية تساعد الكتاب والفنانين إما بتفريغهم لإنتاج أعمال متفق عليها، أو بشراء نسبة من مؤلفاتهم، أو أن تسند إليهم مهمات بأجور تليق بخلفيتهم العملية ومؤهلاتهم العلمية.

لا يوجد في العالم أديب متفرغ، لا يتفرغ الأديب أو الفنان إلا بعد أن تصبح مهنة الكتابة أو الفن مربحة بالنسبة له، أن يصبح محترفًا يعيش من بيع كتبه أو من تعاقداته مع الصحف أو مع المؤسسات الثقافية.. إلخ. دعونا من العواطف الرخوة، علينا أن نعمل بعقلية معاصرة لكي نرسخ دولة المؤسسات.

نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة