عاجل

البث المباشر

فهد سليمان الشقيران

<p>كاتب وباحث سعودي</p>

كاتب وباحث سعودي

إيران الوجهة السياحية لتنظيم «القاعدة»

اضطراب شديد سببه مقتل قاسم سليماني. هُدم بمقتله أكبر جسر بين الجماعات المقاتلة منذ عشرين عاماً على الأقل. حرص منذ 2003 على تبيئة أجواء تساعد على جمع المقاتلين المسلمين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم تحت مظلة واحدة. وكانت المبادرة الأبرز فتح المجال والحدود، ووزّع الورود على قيادات تنظيم «القاعدة»، وقصة هجرة التنظيم إلى إيران معروفة ومكرورة، وكشفت مذكرات سيف العدل «الانسياح في الأرض» ومراسلات أسامة بن لادن «وثائق آبوت آباد» عن نقاط التلاقي والتخادم بين إيران و«القاعدة».
يعود الحديث عن سياحة تنظيم «القاعدة» في إيران عالمياً وبعد التحولات الجديدة، ومن ذلك مقالة لكريم سجادبور، محلل السياسات الإيرانية بمؤسسة «كارنيغي للسلام الدولي» بواشنطن نشرها في «وول ستريت جورنال» استعاد فيها بعض القصص. ومما أورده قوله: «قام سليماني، الذي قُتل مؤخراً في غارة جوية أميركية قرب مطار بغداد، بعمل جيوسياسي (عبقري وشرير) لا يزال يتردد صداه حتى الآن».
ذروة الشر تمثلت في واقعتين يوردهما الكاتب؛ أولاهما «مع بدء الحملة العسكرية الأميركية للإطاحة بحركة (طالبان) الأفغانية، احتجزت إيران المئات من مقاتلي تنظيم (القاعدة) الذين فرّوا من أفغانستان، بمن فيهم بعض أفراد عائلة أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم (القاعدة) في العراق فيما بعد».
والأخرى «حين شعر بعض الإيرانيين بأن هؤلاء المتطرفين يمثلون تهديداً بسبب الاختلاف المذهبي، كونهم من السُنة، أدرك سليماني، مهندس خطط إيران للهيمنة الإقليمية، إمكانية أن تكون لهم ميزة أيضاً»... وفي كتابهما «المَنفَى»، يصف الصحافيان الاستقصائيان كاثي سكوت كلارك وأدريان ليفي، رحلة كثير من أعضاء «القاعدة» الذين قضوا شهوراً، وحتى سنوات، «ضيوفاً» لدى إيران، حيث تقاسم قاسم سليماني الخبز مع أبناء بن لادن، وقام بتعيين اثنين من كبار ضباط «فيلق القدس» لـ«تزويد الضيوف بكل ما يحتاجون إليه، بما في ذلك الثلاجات وأجهزة التلفزيون، ومكتبة دينية، بميزانية غير محدودة».
لقد ظلت إيران المقصد السياحي الأبرز لتنظيم «القاعدة».
قبل أيام ذكّرتنا الباحثة في «العربية.نت» هدى الصالح، بمذكرات زلماي خليل زاد «السفير - من كابل إلى واشنطن رحلتي عبر عالم مضطرب». وحين رجعت إلى المذكرات وقرأتها، وهي غنية ثرية، وجدته تعرض لذكر قاسم سليماني في ستة مواضع، كان الهدف الأميركي الأبرز الرهان على الشيعة العرب وتمييزهم عن السياسات الإيرانية، رغم اعتراف السفير بوجود تنسيق بسن واشنطن وطهران قبل غزو العراق، أخذ سليماني على عاتقه إفشال خطة زلماي. يقول السفير الخبير: «فهمَ الإيرانيون لعبتي. فبعد وقت قصير من انتخاب ديسمبر (كانون الأول)، التقى طالباني قاسم سليماني، وهو قائد (فيلق القدس)؛ الفيلق المسؤول عن الحرب غير التقليدية والعمليات شبه العسكرية التي كانت إيران تقوم بها. قال سليماني – المسؤول عن السياسات الإيرانية في العراق – لمحاوره العراقي إنه فهم ما كنتُ أحاول فعله ولن يسمح بنجاحه، كما حذّر طالباني من عواقب خطيرة على العراق، وعلى مجموعات عراقية محدّدة إذا تعاونت مع خطتي».
سليماني اشتاط غضباً. كانوا يعتقدون أن زلماي سيصنع كرزاي عراقياً كما فعل في أفغانستان. يضيف: «علمتُ لاحقاً أن سليماني كان يقول متبجّحاً إن خليل زاد بشكل خاص أسوأ شخص في العالم»، منوِّهاً إلى أنه «كان يريد شخصياً القدوم إلى العراق وقتل خليل زاد هذا».
ليس غريباً أن تشعر الجماعات الإرهابية من «حزب الله» و«الحشد الشعبي» إلى حركة «حماس» وجماعة «الإخوان» بالانهيار جراء تصفية سليماني، لقد كان الرافعة الميدانية للتحرك، وكنز التمويل الثمين لتسهيل جميع أعمالهم على الأرض، وليس غريباً أن يلمح زلماي لارتباط الأحداث الميليشياوية في العراق ببدء تنظيم «القاعدة» أعمال العنف في الرياض منذ 2003.
إن الهلع الذي أصاب تلك الجماعات يشرح الدور المحوري الذي كان يقوم به سليماني لجمع الأضداد في المنطقة ضد الولايات المتحدة ودول الخليج؛ أمسك بزمام «القاعدة» و«حماس» و«حزب الله» واستثمر بها، ووصل نفوذه إلى كل الجماعات الإرهابية على مستويات الدعم والمشاركة بالتخطيط والضغط والتوجيه.
ستحاول الجماعات إعادة انتشارها، وربما ترمي بثقلها لرسم حضورها بأي عمل عنيف مهما كان محدوداً بغية الحفاظ على ما تبقى لها من جغرافيا، ولكن المؤكد أن حالة العنف في المنطقة أُصيبت في أقوى أذرعها ولن تكون الميادين مشرعة لها بنفس الزخم الذي كان، لذلك يبدو نصر الله محشوراً في الزاوية. لقد أدرك أن يد أميركا طويلة وهذا يرعبه، شاهد بعينه كيف يتقدم العالم يومياً في طرق حربه على الإرهاب، ويجدد يومياً أساليبه الخارقة في سبيل اصطياد المجرمين.
ختم زلماي مذكراته بقوله: «إنه قدرنا الذي لا ينتهي كأميركيين، والذي يفرض علينا أن نكون القوة المساعِدة على التغيير الإيجابي. إن قيَمنا، ومصالحنا، ومسؤولياتنا، تدعونا للعب دورٍ استباقي في العالم. وأنا آمل في هذه الفترة الشديدة الاضطراب أن نتمكن من التعلّم من تجاربنا من دون أن نشعر بالأسى، أو ننهزم أمامها».

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات