عاجل

البث المباشر

من الدولة الوطنية إلى التخندق المذهبي والولاء العشائري.. العراق نموذجًا

شرع الإنسان قبل خمسة ملايين سنة إلى أن يتطور اجتماعياً، وطبقا لعلوم الأنثربولوجيا والأركيولوجيا البشرية، فإن الانسان بدأ هائما على وجهه في مختلف بقاع الأرض، إلى أن نزع للعيش ضمن جماعات انتظمت في صيغ عشائرية ومنها إلى القبلية فالقرى فالمدن حتى تشكلت الدولة.

وبالبحث في أسباب الاجتماع، يرى أرسطو أن للإنسان دافعا طبيعيا للاجتماع، وأن الناس يميلون طبيعيا إلى العيش داخل مجتمع. وكذلك الفارابي وابن خلدون لم تخرج تصوراتهما عن فرضية حاجة الإنسان إلى الآخر، من أجل تعويض النقص .

وبعيدا عن الدافع الطبيعي، هناك رؤيتان في إطار محاولة للتفكير في المجتمع؛ الأولى للفيلسوف الألماني فريديريك إنجلز، ضمنها كتابه «أصل العائلة والملكية والدولة»، الذي يبحث في السيرورة الإنتاجية والاقتصادية التي دعت الناس تاريخيا إلى الاجتماع، بينما عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم يرى أن أشكال التضامن الاجتماعي في تقسيم العمل الاجتماعي ينتقل بنا إلى المجتمع ذاته، ويبحث حول الأسباب والسبل التي تجعل الأفراد ينتظمون فيما بينهم، كاشفا عن الرابطة الاجتماعية. وكلا الرؤيتين، وإن كانتا مختلفتين، إلا أنهما قد تتكاملان فتقدمان لنا صورة جيدة حول المجتمع وتاريخه وجذوره ..

إن التعاون وتطور أشكال الإنتاج، قد لعب الدور الأهم في نشأة المجتمعات، وأعقبه تدخل القانون، والمعتقدات والقيم التي تجعل لهذا البناء هدفا ومعنى، فقامت المجتمعات عبر التاريخ بسن التشريعات والقواعد التي تنظم العلاقات القائمة فيما بينهم، وتجعلهم قادرين على العيش في أمن وأمان. فيتشكل الناس من حيث حاجياتهم اليومية والبيولوجية، وكذلك من خلال حاجياتهم النفسية والمعنوية.

فمن المثير حقاً، والمستهجن من قبل البعض، أن الإنسان العربي في بعض بلداننا في القرن الحادي والعشرين للميلاد وبعد خمسة ملايين سنة من بداية الوعي يرتد اجتماعيا إلى عصور ما قبل الدولة، وإذا ما راجعنا التاريخ القريب، فسنجد أن القوى الاستعمارية لعبت الدور الأبرز في هذا الارتداد، اعتمادا على أنه يسهم في إعادة إنتاج المنطق العصبوي الذي يؤدي إلى احتمالات التشظي؛ ما يسهل عملية السيطرة على بلداننا والتنعم بخيراتها الطبيعية،

والعراق مثل النموذج التطبيقي، فعقب غزو العراق من قبل الولايات المتحدة بجيش قوامه 130 ألف جندي مدجج بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة، شرع حاكم العراق الأمريكي في اتخاذ خطوات تمثل معالم على طريق تفكيك أوصال الدولة بدأت بحل تشكيلات الجيش العراقي وإلغاء الأجهزة الاستخباراتية والأمنية وحل وزارتي الدفاع والإعلام؛ ما أدى إلى إضافة أكثر من نصف مليون شخص إلى طابور البطالة وتدمير قدرات العراق الدفاعية والأمنية والإعلامية، وكذلك حل حزب البعث ( العلماني ) وتشكيل لجنة اجتثاث البعث، هذه القرارات أسهمت بإحداث تغيير تضاريس العراق الديموغرافية والسياسية والاقتصادية والتشريعية واتبعهما بإرساء قواعد المحاصصة الطائفية، وإذكاء الروح القبلية والمذهبية على حساب وحدة كيان وقوة الدولة، عبر خطوات عديدة بدأت بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي على أسس دينية ومذهبية وعرقية، وأصبحت المواقع الرئاسية من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء إلى رئيس مجلس النواب توزع على أسس عرقية ومذهبية، ووصلت الآفة إلى توزيع الوظائف العليا منها

والسفلى.

فأصبح المواطن العراقي يجد نجاته في التخندق بالعشيرة والمذهب والأحزاب الدينية والعرقية، حتى إن الشيوعيين الأكراد انفصلوا عن الحزب الشيوعي العراقي، وأسسوا الحزب الشيوعي الكردستاني، ما يؤشر إلى أن الانتماء الإثني أصبح أقوى من الطبقي والسياسي، نفس الأمر ينسحب على من تخندقوا بالأحزاب الدينية .

إن قرارات ممثل الاحتلال الأمريكي عملت على تغييب الدولة الوطنية الحديثة في العراق لمصلحة نمط الدويلات الطائفية والإثنية والعشائرية، حيث جرى إعادة إنتاج للبنى التقليدية وتحويلها إلى شبكات طائفية وعرقية وعشائرية .

وعوضًا عن تنظيم علاقة الدولة بالمواطن على أساس مبدأ المواطنة، يجري تنظيمها على أساس ديني أو عرقي أو عشائري، ما يعني تكريسا لحالة الدويلات على حساب الدولة الوطنية .

إن النزاعات العنيفة التي تشهدها العراق نماذج حية للدور الذي يمكن أن تؤديه الطائفية في قطع الطريق على اكتمال تأسيس الدولة الوطنية وفي إفشال التحولات الديمقراطية. حيث ينزع الشعب العراقي بدرجة ما للفكر الطائفي معتبرا إياه سمة مرتبطة ببنية المجتمع، وتصبح علاقته بالطائفة على حساب علاقته بالوطن، ويؤدي هذا إلى تقوية ارتباط الشخص بنظرائه من ذات الطائفة خارج الوطن بدرجة أكبر من مواطنيه، ما يسهم في التدخلات الخارجية تحت ستار الطائفية، وإنه أمر لو تعلمون خطير على مستقبل الوطن والمجتمع.

نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات