عاجل

البث المباشر

عن السعودية ومؤتمر كرواتيا للأخوة الإنسانية

يوماً تلو الآخر تمضي المملكة العربية السعودية في طريق رحب من المودات الإنسانية، تلك التي تتجاوز العداوات والباحثة عن المودات، وقد كان آخر ملامح هذا المسار والدرب المنير المؤتمر الذي عقد في جمهورية "كرواتيا" الأسبوعين الماضيين، والذي شاركت فيه رابطة العالم الإسلامي، وجاء تحت عنوان "الإخوة الإنسانية.. لتعزيز الأمن والسلام".

المبادرات السعودية الخلاقة تبسط أجنحة من السلام على العالم، لا سيما أن المملكة تمثل القلب النابض للعالم الإسلامي السني ووزنها الروحي يجعل العالم ينظر لها على أنها رمانة الميزان في منطقة تعج بالقلاقل والاضطرابات صباح مساء كل يوم.

فتحت كرواتيا أبوابها أمام رابطة العالم الإسلامي، والتي باتت دون أدنى تمثل القوة التنويرية الضاربة في المملكة والشرق الأوسط مؤخرا، كما شارك في المؤتمر الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هناك والتي تمثل الغالبية الغالبة من السكان، عطفا على تمثيل من حاضرة الفاتيكان ممثلا في رئيس لجنة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات الكاردينال أنجيل ايوسو، وكبار رجال الدولة.

يلفت الانتباه في اختيار كرواتيا أنها تمثل في الذاكرة الأوروبية جزءاً من ذكريات أليمة تقاتل فيها أهل يوغسلافيا السابقة على أسس من العقيدة والمذهب والطائفة، وقد حان الوقت لكي يضع الجميع كل تلك الأحداث المؤلمة من خلف ظهورهم، وأن يعلوا من شأن الأخوة الإنسانية القادرة على إدراك السلام، أهم قيمة وعطية ربانية، ومن ثم إدراك الوئام المجتمعي الذي يتعرض الآن لشروخ قاسية في هيكله عبر العديد من دول العالم.

مؤتمر الأخوة الإنسانية الذي جرت به المقادير في زغرب لم يكن في واقع الحال مجرد حدث دعائي، أو مناسبة إعلامية، بل كان فعلا حقيقيا يهدف إلى تغيير حالة الركود الفكري، وكسر الجمود العقدي الذي ساد، والذي غذاه البعض من أسف شديد عبر تنبؤات تسعى إلى تحقيق ذاتها بذاتها، تنبؤات من نوعية صراع الحضارات، والتي خلفت من ورائها ورؤاها مآسي شديدة تتبدى الآن بين يمين غربي متشدد، وأصولية شرقية متطرفة.

يبقى الشيخ الدكتور محمد العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي القوة المحركة في هذا الإطار الأخوي الحقيقي غير المنحول، وما الكلمات التي ألقاها في المؤتمر إلا خير دليل على رغبة حقيقية في تشريع الأبواب واسعة للآخر المغاير، والذي هو في الأصل أخ في الإنسانية وليس أي شيء آخر.

الشيخ العيسى ومن زغرب كان يدعو إلى "التفاف حقيقي حول قيم الأخوة الإنسانية التي تلغي الحواجز السلبية وتردم فجواتها، وتبني في المقابل الجسور وتسهل الحوار والتفاهم والتعاون، وتقوي من عزيمتنا للعمل على مشتركاتنا التي تمثل قانوننا الطبيعي الموحد".

وفي الوقت عينه كان يؤكد على أن "الإنسانية تمتلك قيما مشتركة تكفيها لإحلال السلام والوئام في عالم اليوم، وينبه إلى ان مشتركات المحبة والتعايش والسماحة والتسامح تصبح أقرب وأقوى وأكثر مسؤولية عندما تكون مشتركا وطنيا، مع قوة وأهمية مشتركنا الإنساني بوجه عام".

يعن للمرء أن يتساءل: "كيف يكون وقع كلمات من نوعية المحبة والتسامح والتعايش من قيادة إسلامية سعودية كبرى، تمارس دورا ضمن رابطة للعالم الإسلامي تبدأ من طنجة وتمضي إلى باكستان؟".

حكما هناك شيء ما سوف يتغير بشكل إيجابي في الضمير الجمعي الأوروبي، شيء يطرد الأفكار السيئة والسلبية عن كل ما هو مسلم وإسلامي، بعدما ملأت أفكار الإسلاموفوبيا العقول وشحنت القلوب بمشاعر الكراهية من جراء الترويج لمنظومات أيديولوجية غير حقيقية كالقول بأسلمة أوروبا مرة وإلى الأبد.

الشيخ العيسى يقدم لأوروبا والعالم طرحا مغايرا، فاعلا وناجزا في الحال، وصاحب أثر إيجابي وخلاق في الاستقبال، لاسيما وهو ينادي بأن عالم اليوم سيكون أكثر وعيا إذا استفاد من عظة التاريخ التي تدعوه إلى خيار الحكمة المتمثل في الحوار الإيجابي والفعال في الموضوعات كافة، مع العمل دوما على تعزيز الاحترام المتبادل، والتأكيد في هذا على أهمية تفعيل قيم المحبة والسماحة والتسامح، مع استيعاب الطبيعة الكونية في حتمية الاختلاف والتنوع والتعدد بين البشر، ولا يخفى عن الأذهان المتفتحة الأثر الخلاق لمثل هذا الخطاب الذي يمكن أن يعد وعن حق خميرة حب في عالم امتلأ بالكراهية، ولغة جسور، حيث بشرية تتسابق صباح مساء كل يوم إلى بناء الجدران العازلة.

الخطاب الإسلامي في زغرب، كان ولابد له من أن يجد أرضية مشابهة من أناس عاشوا يوما ما مشاعر عداوة وكراهية، لم تنفك أن تصبح قتالا ضاريا وشريرا راح ضحيته الآلاف.

الرئيسة الكرواتية "كوليندا كيتاروفيتش" مضت في ذات النسق الفكري لتشير إلى أن "الله تعالى خلقنا متنوعين في ثقافاتنا وأدياننا وأعراقنا وغيرها، حتى يتسنى لنا التعاون في خدمة الإنسانية، وانطلاقا من هذه الوحدة الإنسانية التي أرادها الخالق، فإن معاناة كل إنسان هي في الحقيقة معاناة للإنسانية جمعاء".

التحركات السعودية في العام الأخير تقطع بأن هناك رغبة حقيقية في إفشاء السلام وقطع الطريق على كل غلو وتطرف وإرهاب، بل إن المؤتمر الأخير مضى إلى ما هو أبعد من خلال الدعوة إلى إنشاء مركز عالمي للتواصل الحضاري بمدينة زغرب ليكون جسرا للتعارف والحوار والتفاهم والتعاون بين كل مكونات المجتمع الإنساني ومكانا حاضنا للمبادرات ذات الصلة بتعزيز القيم الإنسانية والمجتمعية وردم الفجوات الدينية والثقافية والمعرفية.

الخلاصة.. مؤتمر كرواتيا خطوة تقدمية في طريق الأخوة الإنسانية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات