عاجل

البث المباشر

انتفاضة وطنية .. أم صراع شيعي – شيعي ؟

يعمد بعض الكتّاب والمحللين السياسيين الذين يضفي بعضهم على نفسه صفة (محلل ستراتيجي) الى توصيف التظاهرات التي اندلعت في الأول من اكتوبر العام الماضي ثم تحوّلت الى حركة احتجاجات وانتفاضة شعبية واسعة، بأنها مجرد صراع شيعي – شيعي بسبب خلافات بين كتلها السياسية على المغانم والامتيازات المادية والسياسية ، حيث يستند هذا التوصيف الى كون المشاركين في الانتفاضة هم من الشيعة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ذات الاغلبية الشيعية لمواطنيها من جهة ، والى كون السلطة الحاكمة فعلياً هي من الطبقة السياسية الشيعية حيث لا دور ولا مسؤولية لبقية المكونات كما يرى هذا البعض من جهة ثانية !
هذا التوصيف (الستراتيجي) للانتفاضة كما يراه البعض هو توصيف مجحف وغير واقعي ويتجاوز على الحقيقة فضلاً عن كونه ، أساساً ، توصيف خطير وتترتب عليه نتائج طائفية خطيرة فيما لو صح ، على الصعيد الوطني.
والواقع ، إن الصفة الوطنية العراقية للانتفاضة قد جرى التعبير عنها وبوضوح منذ انطلاقها وجرى التأكيد عليها بمختلف التعبيرات خلال الشهور الأربعة التي مرّت عليها ، وذلك من خلال أهدافها وشعاراتها التي بدأت بالمطالبة بالحقوق والإصلاح ثم رفعت سقف تلك الأهداف بالدعوة للتغيير . وبالطبع فأن تلك المطالبات والدعوات والأهداف لم تكن خاصة بالشيعة وبمواطني بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ، وانما لكل العراقيين المتطلعين للإصلاح والتغيير ورفض الواقع السياسي والاجتماعي والصحي والعمراني والاقتصادي المتردي . إن شعارات (نريد وطن) و (نازل اخذ حقي) ونريد نظام صحي جيد وآخر تعليمي وخدمات حقيقية والقضاء على الفساد ، ونريد قادة سياسيين غير مزدوجي الولاء لدول آخرى ، وانتهاج سياسة اقليمية ودولية معتدلة ومتوازنة ... وغيرها من أهداف وشعارات انما تعني وتخص غالبية العراقيين من كل المناطق ومن كل الأنتماءات والمكونات ، ولم يرفع المتظاهرون المحتجون أية شعارات أو أهداف مذهبية أو حزبية انما أهداف وشعارات وطنية عامة ضد الطبقة السياسية المتحكمة .
أما خطورة توصيف الانتفاضة بكونها صراع شيعي – شيعي فينطوي على معانٍ خطيرة أبرزها تزوير الواقع وغمط مواقف ومشاركة أو مساندة مواطني بقية المحافظات الذين ساهموا بأشكال عدة بدعم الانتفاضة غير أن الأسوأ والأخطر بهذا التوصيف هو محاولة تبرئة الطبقة السياسية من غير السياسيين الشيعة من مسؤولية الفساد والخراب وتردي الأوضاع في العراق .
إن توصيف الانتفاضة بالصراع الشيعي – الشيعي لا يعبر فقط عن سذاجة في التحليل أو رغبة لخدمة أجندات طائفية إنما يعبر أيضاً عن تزويرها للواقع ، والتزوير جريمة يعاقب عليها القانون ومعاقبة المزورين هنا لن يكون سوى انعدام ثقة الآخرين بمصداقيتهم والسخرية المرة من تحليلاتهم (الستراتيجية) الساذجة !

* نقلا عن "المدى"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات