عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

تحصين الشباب ضد التطرف والعنف

ما هي آفة عصرنا الحاضر؟ إنها من غير أدنى شك التمحور حول الذات، وانسداد الأفق التاريخي للحوار والجوار، الأمر الذي يقود تباعاً إلى عالم من الأحادية الذهنية، التي تولد العنف والتطرف، ما يجعل من الوصول إلى مرحلة الإرهاب شأناً طبيعياً، وأمراً بديهياً.

هنا يطفو تساؤل على الملأ: "هل الاستسلام هو الحل وكأن الأمر قدر مقدور في زمن متطور؟ بالقطع لا، وألف لا، غير أن النفي المجرد عن الفعل الخلاق المغير والمعدل لشكل عالم التناحر الحالي لا يفيد، وإنما الفائدة كلها توجد في رحم المبادرات الجريئة، القابضة على جمر الحقيقة والساعية لتبديل الخصام بالوئام، والافتراق بالاتفاق، والقادرة على مد الجسور وهدم الجدران.

من الأفعال البناءة التي جرت بها المقادير أيام 18 و19 فبراير شباط الجاري، المؤتمر الذي دعا إليه الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، والذي جاء تحت عنوان "تحصين الشباب ضد أفكار التطرف والعنف وآليات تنفيذها"، وجرى في مقر الأمم المتحدة في جنيف.

قبل الحديث عن المؤتمر يتوجب علينا الإشادة مرة جديدة بالجولة الأوروبية الأخيرة للدكتور العيسى والتي نجحت باقتدار في خلق عالم مغاير وتكوين رؤى مختلفة عما سبق فيما يخص حال ومآل العالمين العربي والإسلامي.

ما الهدف من مؤتمر جنيف الأخير؟

بحسب الدكتور العيسى، تحصين الشباب ضد أفكار التطرف العنيفة، أو المحرضة على العنف، وهو أمر لا يتأتى إلا من خلال بناء منظومة متكاملة المداخل والتوجهات، تبدأ من عند مؤسسات التعليم، وتمر بالإعلام، أي تنطلق من عند مناهج دراسية نشطة تفاعلية، ترسخ على القناعة بحتمية الاختلاف والتنوع والتعدد، كسنة من سنن الله في الكون، وتمثل إثراء للبشرية يعزز من قدراتهم، ووحدتهم ، إضافة إلى ترسيخ القناعة بأن الصدام الديني والإثني والفكري، يمثل مخاطرة تطال الوئام المجتمعي والسلم العالمي.

ولعل المتابع لخطاب الدكتور العيسي في جولته الأخيرة يشهد محاولة جادة من رابطة العالم الإسلامي، والتي تعد المملكة العربية السعودية قلبها النابض، لتنقية الخطاب الموجه للشباب خاصة من كل ما يؤجج الصراع والكراهية، ويثير العداء والعنصرية، مع تقرير مبدأ المساواة العادلة بين البشر، وتفهم واحترام اختلافهم وتنوعهم الطبيعي، باعتبار ذلك أرضية مهمة لسلام ووئام الأمم والمجتمعات.

خبأ ضوء الشرق طويلاً حين غابت روح التسامح وعلت نغمات العنصرية والكراهية، ولهذا جاء الوقت الحاسم لنشر قيم السماحة والتسامح، والحديث للدكتور العيسى، مع رفض سلبيات الكراهية والعنصرية والتهميش.

أفضل الأفكار التي طرحها الإسلامي التنويري الكبير، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، تتمثل في دعوته الجهات المسؤولة في كل دولة إلى إيجاد البرامج الفعالة لتعزيز دور الأسرة في صياغة عقلية الأطفال وصغار الشباب صياغة سليمة، وإيجاد البرامج الفعالة وبناء الشراكات المتعددة لدعم الوئام الديني والثقافي والعرقي في دول التنوع، وخاصة التي تعاني من إشكالية أو تهديد في الاندماج، بالتوازي مع سن تشريعات للحد من خطاب الكراهية والعنصرية والتهميش.

حين تشرق شمس التنوير الحقيقي غير المغشوش تتوارى بعيداً جداً ظلمات الأصوليات الضارة، بل تتقلص كذلك مسارات "غرق العالم"، إن جاز لنا أن نستعير تعبير الأديب أمين معلوف في رائعته الأخيرة.

لا يخشى التنويري الحقيقي من الاقتراب من مناطق الأسلاك العارية، تلك التي تسببت للعالم في صدمات وصعقات أودت بأجيال كاملة مورد التهلكة ضمن صراعات المطلق، والمطلق معروف بأنه غير قابل للتعددية، لأنه لا يجد سوى نفسه في الكادر، إنه يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وويل للعالم إن كانت الحقيقة دوجمائية غير قابلة للتأويل أو التفسير، ما يعود بنا إلى دائرة الصراع بين المعقول والمنقول، وهذه قصة أخرى.

الشيخ العيسي، من موقعه وموضعه يشدد على أن: "الوعي يدرك أن القيم بإيجابية انفتاحها وسماحتها ومنطقها الحضاري هي المنتصر الحقيقي في الحوار الموضوعي، مضيفاً "إن فطرة الإنسان سوية نقية، فهو لم يخلق شريراً، ولا عنصرياً، ولا كارهاً، لكن سلبيات البيئات التعليمية والأسرية في عالمنا، وسلبيات المساجلات السياسية هي التي تخلق تلك الأجواء المهدمة للوئام والسلام، وتصرف الإنسان عن فطرته السوية.

كان صوت العقل في لقاء جنيف الأخير حاضراً بقوة داعياً لانتشال الجميع من وهدة المساجلات الخاطئة بين أتباع الأديان، وما تفضي إليه من ازدراء متبادل بينهم، الأمر الذي يوصف بأنه ممارسة عبثية، لها تاريخ طويل، تتم مواجهتها من قبل المعلمين والحكماء بالرفض والاستهجان.

من هنا تنشأ الحاجة إلى الحوار الموضوعي والفعال بين أتباع الأديان والثقافات وأهمية أرضية انطلاق هذا النوع من الحوار، وهو احترام الآخر، وحقه في الوجود.

مثلت أوقات الازدراء المتبادل الصادم في عقود بعينها الأرضية القاتلة التي نصب عليها أصحاب "صدام الحضارات: خيمتهم، ما جعل العالم في حرب حقيقية، حتى وإن لم تطلق رصاصة واحدة فيها، غير أنها نشرت التطرف حول الخليقة برمتها، والخاسر في ذلك هو الإنسانية، مع تهديد أمن الدول والمجتمعات من خلال ردود فعل التطرف العنيف.

استنقاذ الشباب من براثن الإرهاب والتطرف والغلو والتشدد، فرض عين في هذه الأزمنة العصيبة، وعليه يتوجب على المؤسسات الدينية والفكرية، استشعار مسؤوليتها نحو التصدي لأفكار التطرف والعنف والإرهاب، بالدخول في تفاصيل إيديولوجياتها، وتفكيكها بعمق ووضوح، ومن غير الاكتفاء بالوقوف بعيداً على الشط، ومن دون رغبة في مصارعة الأمواج العاتية الحاملة لطروحات الشقاق، وشروحات الألم، أي منع تصدير أو استيراد الفتاوى والأفكار الدينية خارج ظرفيتها الفكرية والمكانية.

جاءت الأديان رحمة للعالمين، هذا هو الجوهر الذي يتوجب التوقف أمامه ملياً، والعمل على جعله قناعة راسخة في نفوس الأجيال المعاصرة، وما هو خلاف الرحمة لا محل له في عالمنا، إن أردنا أن تبحر بنا سفينة القرن الحادي والعشرين بحار ومحيطات الاضطرابات إيديولوجية كانت أو دوجمائية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات