حسابات أميركية تربك تركيا

رانيا مصطفى

نشر في: آخر تحديث:

أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، عن إمكانية أن ترسل الولايات المتحدة صواريخ باتريوت إلى بلاده بعد مقتل جنود أتراك، وأن دولا أوروبية في حلف شمال الأطلسي قد ترسل بطاريات باتريوت أخرى.

لكن، لا مؤشرات حتى الآن حول نية الولايات المتحدة والناتو إرسال منظومات الباتريوت إلى تركيا، بعدما تم إيقافها بسبب إتمام صفقة منظومة أس – 400 الروسية، المتعارضة مع منظومة الباتريوت.

ويأتي الحديث التركي عن إمكانية تشغيل المنظومتين معا مستغرَبا، ومعَدّا للاستهلاك الإعلامي في الداخل التركي، مع استمرار عملية تركيب المنظومة الروسية وتدريب الكوادر التركية، وتوقّع الانتهاء في الربيع المقبل.

جاءت مطالبة تركيا حلفاءها في الناتو بالإيفاء بالتزاماتهم تجاهها، كشريك يتعرض أمنه القومي إلى أخطار، بعد عودة النشاط إلى الدبلوماسية الأميركية للاهتمام بالملف السوري، الشهر الماضي، مع بدء قوات النظام السوري، بدعم من ميليشيات إيرانية، وغطاء جوي روسي ناري كثيف، حملة عسكرية جديدة على منطقة خفض التصعيد الرابعة.

وساهمت زيارة المبعوث الأميركي، جيمس جيفري، إلى تركيا الشهر الماضي، وإدانته، متحدثا باللغة التركية، مقتل عسكريين أتراك، ووصفهم “بالشهداء”، في رفع معنويات تركيا، في ظل تلميحات إلى دعم عسكري ولوجستي ضد هجوم قوات النظام السوري على إدلب. هذا إضافة إلى تصريحات وزير الخارجية، مايك بومبيو، المؤيدة لتركيا، وزيارة رئيس حلف الناتو لأنقرة، وقيام واشنطن برفع العقوبات عن ثلاثة وزراء أتراك (وزراء الدفاع والداخلية والاقتصاد)، وغضّ النظر عن استخدام الفصائل السورية المعارضةِ الصواريخَ المضادة للطائرات لإسقاط مروحيتين تابعتين للنظام.

الحسابات الأميركية حول إدلب معقّدة للغاية؛ فواشنطن تعترف بأحقيّة روسيا في السيطرة على سوريا، وقد حضرت اتفاق أستانة من البداية بصفة مراقب، وكانت ترتيبات الهدن وتسليم شرقي حلب ثم مناطق خفض التصعيد الثلاث، إلى روسيا والنظام، تتم بمباركتها، وكذلك ما يتعلق بمناطق سيطرة تركيا في “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، ومؤخراً في “نبع السلام”. وكانت تفاهمات سوتشي حول المنطقة العازلة في إدلب، في سبتمبر 2018، بدفع منها.

فلو كانت واشنطن تريد دعم تركيا والفصائل السورية ضد الهجوم على إدلب وغيرها، لفعلت ذلك من البداية، ولما اضطرت تركيا إلى الدخول في حلف روسيا وإيران من أصله. وغير صحيح أن الوضع الإنساني المزري في إدلب يستفزّ الولايات المتحدة الآن، بعد 9 سنوات متواصلة من إجرام النظام السوري بحق المدنيين، ومن ذلك استخدام أسلحة محرمة دوليّا.

فواشنطن مستاءة من مشاركة إيران في هجوم النظام الأخير على إدلب، وهو ما يتعارض مع استراتيجيتها الأخيرة في الحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة.

وهي لا ترغب في فرض روسيا حلولها السياسية بتعويم نظام الأسد، مع تغييرات شكلية في بنيته، ما يتعارض مع جوهر القرار الأممي 2254؛ وهي تمسك بورقة منع روسيا من الاستفادة من مصادر الطاقة السورية في منطقة الجزيرة، وماضية في تنفيذ “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”.

في الأثناء تعمل واشنطن على استغلال حالة الخلافات الروسية التركية، وترغب في تصعيد عسكري بين الطرفين ينهي تحالفهما؛ لكنها حذرة بشأن تقديم دعم حقيقي لأنقرة.

فأميركا ترغب في تحجيم الدور التركي في سوريا، كما الدور الإيراني، وكذلك هي رغبة إسرائيلية وعربية، وهي رغبة بقية الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، والتي ترفض أيضاً انضمام تركيا (حزب العدالة والتنمية) إلى الاتحاد الأوروبي، كما ترفض أن يكون لها دور إقليمي مع وصولها إلى مصادر الطاقة في البحر المتوسط، وإلى السواحل الليبية.

تدرك تركيا أنها وحيدة في معركة كسر العظام مع الروس، ولا ترغب في تصعيد واسع ستكون الخاسرة فيه؛ فوضعها الداخلي لا يحتمل مغامرة الإقدام على حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تفتح الأبواب أمام تدخل أممي للفصل بين الطرفين، ما يعني إخراج جميع القوات “غير الشرعية” من المنطقة، وتحديدا إيران وتركيا.

تقول موسكو إن وجودها في سوريا شرعي، توافق عليه الأمم المتحدة التي تحتفظ بمقعد النظام السوري في مجالسها، والولايات المتحدة دخلت سوريا ضمن تحالف دولي “شرعي” لمحاربة الإرهاب، هذا يعني أن التصعيد سيصب في مصلحة واشنطن بإعطائها نفوذاً لقواتها في إدلب، الأمر الذي لا ترغب فيه روسيا أيضاً.

وبالتالي يحرص الروس والأتراك معاً على عدم التصعيد المباشر، والتمسك بتحالفاتهما السابقة؛ أما التصعيد الإعلامي التركي ضد النظام السوري، مع الاحتفاظ بلهجة معتدلة تجاه الروس، وكذلك محاولات “التحرش” العسكري للنظام، بدفع روسي، بنقاط المراقبة التركية، وردود أنقرة عليها، فكل ذلك يصب في خانة محاولة كسب أوراق في جولة المفاوضات الروسية التركية القادمة، عبر اتصال هاتفي متوقع لرجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، فيما تنتظر قمة أستانة في طهران موافقة أنقرة.

وكذلك تريد موسكو استباق موعد القمة الرباعية (الروسية التركية الألمانية الفرنسية)، التي دعا إليها إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل في إسطنبول في 5 فبراير القادم، بأن تفرض على أنقرة قبول مقترحها بشأن تقليص منطقة خفض التصعيد إلى شمال وغرب الطريقين الدوليين، الأمر الذي ترفضه تركيا، التي تريد عودة قوات النظام إلى ما بعد نقاط المراقبة. وقد تقبل أنقرة بتسيير دوريات مشتركة روسية – تركية، وإن كانت غلبة السيطرة فيها للروس، لإظهار أن تهديداتها أرغمت قوات الأسد على التراجع.

أما ميدانيّا، فإن الوقائع تقول أشياء تناقض مجمل التصعيد الإعلامي والعسكري التركي؛ فمعرة النعمان وسراقب، وباقي الطريق باتجاه حلب، ومن قبلها خان شيخون، قد سُلّمت لقوات النظام بشكل فاضح دون قتال الفصائل المدعومة من تركيا، ما يعني أنها انسحبت بأوامر وتنسيق روسي – تركي؛ وحدث نفس الشيء في ريف حلب الغربي.

في حين أن هجوم الفصائل على محور النيرب ثم انسحابها، لم يكن جدياً، حيث لا تمهيد عسكريّا ذا قيمة، ولم تفتح جبهات غربي سراقب والمعرة لإشغال قوات النظام، ما يعني أنها لم تكن سوى رسالة تركية لروسيا قبل استكمال التفاوض على التفاصيل.

وحتى الآن، لا دور لقوات الكوماندوس التركية، المحتشدة على الحدود السورية، سوى منع المدنيين السوريين النازحين من عبور الحدود إلى الداخل التركي.

وبالتالي تحالف الضرورة بين روسيا وتركيا في سوريا مستمرٌ، ولا خيارات أخرى بين الطرفين، سوى أن يتوافق الأميركيون والروس على حلّ يُخرج كلاً من إيران وتركيا من المعادلة السورية، ويخرج نظام الأسد أيضاً، وفق الشرط الأميركي.

*نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.