عاجل

البث المباشر

التميز العرفي للتدين وتبعاته السلبية

لقد وجد صلى الله عليه وآله العرب على عادات وأخلاق كثيرة ومتنوعة، أتم منها

ما يستحق التمام، ونهى عما حقه النهي، وقد يكون ذلك راجعًا إلى المظهر الشخصي الذي لم يتميز به النبي صلى الله عليه وآله عن سائر العرب فضلاً عن أصحابه وأتباعه..
لا يختلف الرواة في وصف النبي صلى الله عليه وآله بما أخبر القرآن بقول المناوئين له (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) وهي جملة وصفوا بها حاله وعدم مفارقته لبني جنسه فيما يفعله البشر، كيف وقد نص الله في كتابه على هذا في أكثر من موضع (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي).
وكثيرًا ما نجد الروايات التي يدخل فيها من لا يعرف شخصه صلى الله عليه وآله فيجد القوم مجتمعين فيسأل: أفيكم محمد؟ أو أيكم محمد؟ وهو ما سطره ناقلو شمائله من أنه كسائر الناس في ملبسه ومأكله ومشربه وجلسته ومظهره.
وقد وجد صلى الله عليه وآله العرب على عادات وأخلاق كثيرة ومتنوعة، أتم منها ما يستحق التمام، ونهى عما حقه النهي، وقد يكون ذلك راجعًا إلى المظهر الشخصي الذي لم يتميز به النبي صلى الله عليه وآله عن سائر العرب فضلاً عن أصحابه وأتباعه، وهو ما نريد الحديث عنه في هذه الأسطر المختصرة؛ حيث قد وصل الحال بالناس إلى اعتبار دلالة المظهر في التدين والاتباع، وأن من أطلق لحيته ولبس ثوبًا وشماغًا، ولم يلبس العقال فهو المستحق لوصف الإسلامي، أو ما تعارف على نعته بـ (المطوع) وهو فقط الذي من حقه أن يتكلم في أمور الدين، وهو من يسابق إلى المسجد، وهو فقط من يستغرب الناس منه إذا ضحك أو مزح، فلا ينبغي لمن أطلق لحيته وسمي "المطوع" أن يضحك أو يمازح أو يمشي في الأسواق ويجلس بين الناس، فإن فعل ذلك وكان ممن له جاه وكلمة تسابقت الأقلام في تصنيفه بكل أوصاف التنفير والقبح، وتتلى في حقه ما أنزله الله على المرتدين والكافرين، وإن لم يكن ذا لحية وليس بصاحب جاه ولا كلمة بين الناس فما إخاله يجرؤ على إطلاق لحيته؛ لأنه ملزم بأن يفارق صحبه وجلساءه وإلا لأصبح مسخرة للصغير والكبير "مطوع كذاب" هكذا الناس يقولون! وما أوتوا إلا من قبل قبولهم اختزال التدين والاتباع في طائفة وأناس تميزوا عن مجتمعاتهم، واعتبروا تميزهم هو الدين، وأقروا ما رسخوه في أذهان الناس من أن الدين لنا ولكم الدنيا، بينما كان النبي صلى الله عليه وآله لا يستطيع من لا يعرفه أن يشير إليه من بين سائر الناس، على العكس في هذه الأزمنة التي لو أراد أحدنا إمام مسجد فلا يحتاج أن يسأل الناس بل ينظر يمينًا وشمالاً وسيقول هذا هو، ليس لأنه أطلق لحيته فقط، فكثير من الشباب لديهم لحى بل وطويلة أيضًا ولا تتردد في أن تقول هذا مسلم، لكن حتمًا ستفرق بينه وبين من أنق نفسه وميزها لينسب إلى التدين، بل إن في بعض البلاد الإسلامية من يتميز المنسبون إلى معاهد أو جامعات إسلامية معينة بلباس يعرفهم به الناس، ويفرقهم عن الجامعات والمدارس الأخرى! وتوهم بعض الدعاة ممن تلقى العلم في بلادنا المحروسة أن لباسنا المعروف هو اللباس الإسلامي الذي يظهر اتباعهم للسلف، وسيرهم على منهاجهم!
وسؤالنا الذي يسير معنا: أين موضع هذا التميز من هدي النبي صلى الله عليه وآله؟ وعلى تقدير الخلاف بين العلماء في الاقتداء في الجبلة والعادات، أليس لنا في الشرع متسع لموافقة الناس في لباسهم ومظاهرهم لنخرج من عباءة "التكلف"؟ على أن بعض أهل العلم يرى أن ترك السنة لتأليف القلوب مرغب فيه، فكيف لو كان الأمر مجرد مظهر ولباس وربما دخل في الشهرة، وأنا لا أتكلم عن بلد أصبح الأمر فيه عاديًّا بل أتكلم عن كثير من البلدان والمواقف التي تتطلب مراجعة الحسابات في هذا التميز الذي جلب لكثير من الدعاة وطلبة العلم الحرج في مساجدهم وشوارعهم وفي كثير من أمورهم، وربما تجده يحرم أهله وأولاده من فسحة ونزهةٍ أو من رحلة وزيارة.. إلخ فقط لمجرد الحرج الذي سيلحق به لأنه "مطوع" بحسب التعبير العام، وربما تجنب نفع الناس في مواقع التواصل أو في قنوات أو في برامج أو في تجمعات فقط لأنه لا يليق به - بحسب تعبيرهم - وأذكر أن أحد الدعاة المعروفين كان في زيارة لبلد أوروبي، وكان يلبس لباس الأوربيين ما يسمى (three pieces)، ويعنى به القميص والجاكيت والكرافت، فتوهم أحد الحضور أن هذا مما لا يليق بداعية سلفي فوجه إليه سؤالاً ملغمًا: ما كان يلبس النبي صلى الله عليه وآله؟ فكان جواب الشيخ بديهة: نفس الذي كان يلبسه أبو جهل!
فإلى متى نظل نربط التدين بمظاهرنا؟ ومتى سيعي الناس أن الدين أوسع من أي نظرة ضيقة؟. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات