عاجل

البث المباشر

عبدالله بن بخيت

كاتب سعودي

كاتب سعودي

العيش في زمنين

عندما يعيش المرء في زمنين مختلفين سوف يفقد القدرة على التفكير السليم، سيبدو ذكيا في المسائل التفصيلية وساذجا في المسائل الكلية، هذا ما جعل الاستعمار يتغلغل في بلاد كثيرة، استفاد الإنجليز والفرنسيون وغيرهما من الدول الاستعمارية من هذه التناقضات عند الشعوب التي وقعت تحت استعمارها، عندما وطأت قدم المستعمر أرض إفريقيا لم يكن المستعمر يرغب في نزع المشيخة من شيخ القبيلة أو أن يحل محل كاهن القبيلة أو يستولى على الجميلات أو مزارعها البسيطة أو المساس بالمعتقدات، هذه الأمور هي جوهر مكتسبات الماضي والتي ترى القبيلة أن المساس بها هو مساس بالكيان، لكن هذه الاهتمامات خارج زمن الدول الاستعمارية، فانسجمت قيادات القبيلة مع متطلبات الاستعمار، كان المستعمر يريد ما تحت الأرض لما فوقها، يريد بؤساء القبيلة للشغل معه بأرخص الأثمان، تعاون سادة القبيلة مع الاستعمار لم يكن خيانة، من المنظور القبلي لم تخسر القبيلة بل ربحت بأن حافظت على مكتسباتها التي تنتسب للماضي، احترم الاستعمار شيخ القبيلة والكاهن وطقوسه.
مثال إفريقيا يصف كثيرا من الحالات الاستعمارية في أنحاء العالم، إذا قرأنا الصراع في سورية سنرى زمنين يتحكمان في الصراع الدائر فيها، الزمن الذي يعيشه الأجنبي والزمن الذي يعيشه الإنسان المحلي، روسيا وأميركا وأوروبا يتصارعون على الأرض السورية على شيء، وتركيا وإيران ونظام الأسد والمنظمات الدينية المختلفة تعيش صراعا آخر، كل زمن يستخدم الزمن الآخر لأغراضه وتحقيق أهدافه، إيران وحلفاؤها (حزب الله والنظام السوري) ترفع راية مذهبها، وتركيا ترفع راية الإخوان الشق الذي يعينها من مذهبها، والمنظمات الدينية أيضا ترفع راية مذهبها أو الشق الذي يعنيها من نفس المذهب، رايات لا تنتسب للعصر، رفعت قبل قرون لأهداف لم تحسم حتى الآن ترث الأجيال المتعاقبة أمر حسمها، روسيا تساند الأسد وإيران ليس لأنهما متفقان معها في الهدف، مجرد رفقة طريق مؤقته، روسيا تريد أن تتصدى لتهديدات معاصرة بينما إيران تتصدى لتهديدات تشكلت قبل ألف وخمس مئة سنة، أميركا تساند تركيا والأكراد من أجل تحقيق أهدافها التي لا علاقة لها زمنيا بأهدافهم، إذا نظرنا للانتفاضات في لبنان والعراق سوف نتبين تداخل العصور، مطالب عصرية تتوسل قيم العصور الوسطى، الطائفية المتجذرة والتي لم تحسم بعد تتداخل مع قيم العصر الحديث ديموقراطية وانتخابات.. الخ.
التفاوض الذي نشهده بين طالبان وأميركا هو تفاوض بين زمنين مختلفين، لم يحسم لغياب اللغة المشتركة وليس بسبب تعنت أي من الطرفين، هذا التصارع بين العصور سنراه حتى على المستوى الفردي في البيت، في العمل، ولكن هذه تحتاج إلى مقال خاص.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات