عاجل

البث المباشر

عقبات تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية

لن يجازف السودان بوضع رقبة البشير تحت مقصلة المحكمة الجنائية الدولية الآن، لكن هذا الشبح يدفع السلطة الانتقالية إلى التعجيل بإجراء محاكمة محلية نزيهة لا تحتمل مراوغة.

لا تزال بعض القوى السودانية تنتابها الكثير من التوقعات والتكهنات والتخمينات حول مدى جدية الحكومة في التجاوب مع مطالب المحكمة الجنائية الدولية بشأن محاكمة عدد من المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في إقليم دارفور. وأصبحت القضية تشغل شريحة من الرأي العام، حيث تحمل مؤشرات سياسية متباينة لجهة الإقدام أو الإحجام عن التسليم.
ارتاحت بعض الدوائر السياسية والحقوقية لما ظهر من مرونة واضحة على الموقف السوداني بشأن تسليم الرئيس السابق عمر حسن البشير للمحكمة الجنائية، ولا تزال تمنّي نفسها بتحقيق ذلك قريبا. وشعر آخرون بأن الخطوة صعبة ومحاطة بجملة من العقبات والتحديات الداخلية، ويمكن أن تفتح أبوابا إقليمية تقف ضدها، لأنها تسلكُ أسلوبا غير محمود، وقد تفضي إلى تعريض الكثير من الزعامات للخطر ذاته، وتجعل سيف المحكمة مسلطا على رقابهم.
من طربوا أو من غضبوا من التجاوب السوداني لم يلتفتوا إلى زمان ومكان الكلام حول القضية والاعتبارات السياسية التي فرضتها. فالزمان ترافق مع تصاعد الحملة ضد أركان النظام السابق في الداخل، لأنه لم يحقق التقدم المطلوب، ولم يتمكن من تجاوز ولو جزء بسيط من الأزمات المتراكمة، ويبدو كمن يخشى مخالب النظام السابق. وتولدت رغبة قوية لدى قيادات نافذة في السلطة لتوصيل رسالة تشي بأن مواجهة الفلول جد لا هزل فيه.
اصطحب بدء العد التنازلي لرفع اسم السودان من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، القيام بتحركات نوعية تثبت أن الخرطوم تتغير، وسلطتها الانتقالية ونظامها الدائم لاحقا على استعداد للتعامل مع الأدبيات القانونية والإنسانية التي يُؤْمِن بها المجتمع الدولي، وأن فجرا جديدا يسطع في الخرطوم يرفع القيم الأخلاقية ولا يصطدم بها.
المكان هو جوبا حيث كانت تجري مفاوضات تحقيق السلام في إقليم دارفور الذي تضرر من انتهاكات وجرائم البشير ورفاقه، والتي أدت إلى ملاحقتهم ومطاردتهم وطلب تسليمهم. ويوحي فتح هذا الملف فجأة على طاولة دارفور تحديدا، بأن الخرطوم راغبة في تلبية تطلعات سكان هذا الإقليم مهما كانت قاسية، وأن التعويضات السياسية والمادية ليس لها سقف محدد، ويمكن أن تصل إلى مستوى غير مسبوق لتتماشى مع التضحيات التي قدمت، وقادت إلى ترهل نظام البشير ثم سقوطه.
غير أن النوايا والميول لن تكون كافية. فالسلطة الانتقالية التي تريد حصد المزيد من المكاسب من وراء إثارة هذه الورقة حاليا سوف تعترضها مكونات محلية، في ظل بوادر خلاف بين الجناحين المدني والعسكري. فالأول يرى أن تسليم البشير يعزز حكم القانون واحترام طقوسه الدولية، ويضاعف من الثقة المتبادلة بين الحكومة وجهات عديدة تعتقد أن تثبيت الحكم المدني في السودان يستلزم اتخاذ خطوات لافتة، ومنع تغلغل وهيمنة المؤسسة العسكرية. وأول علامات التصدي تسليم أحد رموزها للقضاء الدولي ليكون شاهدا.
مع أن الفريق أول عبدالفتاح البرهان لم يمانع مسألة التسليم، إلا أن طريقته في تفهم الأمر لم تخلُ من إيحاءات تنطوي على تحفظات، حيث أخضع الملف لتقدير السلطة القضائية. وجرى رمي الكرة في ملعب الحكومة لتتخذ القرار المناسب أيضا. ولا يعني ذلك أنها مطلقة الحرية في الموافقة التامة أو الرفض، لكن القرار يُخضع العملية برمتها لتقديرات سياسية ربما لا ترى مصالح في محاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية.
لن تكون العملية بعيدة عن سياقات علاقة الشد والجذب بين أطراف السلطة الانتقالية في مجلس السيادة والحكومة التي أخذت تظهر في العلن، ويشعر قطاع من المواطنين بأنها تسير على حبال دقيقة قد تتقطع أوصالها في أية لحظة. وبصرف النظر عما قام به البشير من تصرفات سلبية فهو في النهاية ينتمي إلى المؤسسة العسكرية السودانية، وتسليمه يمثل تحولا محرجا لقادة الجيش، لأن هناك جنرالات شملتهم لوائح الاتهام التي وجهتها المحكمة.
بالتالي فإن التفكير في استكمال محاكمة البشير أمام القضاء المحلي أو الجنائية قصة لم تكتمل فصولها ولم تستقر على الجهة المنوط بها القيام بهذه المهمة الدقيقة. فالمحاكمة في الحالتين يمكن أن تتورط فيها شخصيات كانت قريبة من البشير، وربما يكون القضاء المحلي أقل حساسية لزاوية إبعاد بعض الشخصيات الموجودة في الحكم حاليا عن المحاكمة، وهو ما يجعلها تتمسك به على حساب إبعاد شبح الجنائية الدولية الذي ينكأ جراحا سياسية إقليمية.
لدى الاتحاد الأفريقي رؤية رافضة للمحكمة الجنائية عموما، وثمة إحساس بالغبن وعدم الثقة بالدور الذي تمارسه والذي كاد ينحصر في استهداف بعض القيادات الأفريقية. وإذا أقدمت السلطة الانتقالية على هذه الخطوة فستضع نفسها في مواجهة مع الدائرة الأفريقية، وتبدو كمن لا يتجاوب مع توجهاتها السياسية في الملفات ذات الحساسية الدولية، والتي تكتنفها تعقيدات عدة، وتمنح فرصة لتتمدد أذرع المحكمة الدولية في القارة، وتتأثر سلبا علاقات الخرطوم بالأخيرة.
هذه المعطيات يصعب أن تكون غائبة عن ذهن الخرطوم، ولذلك فحسم الموقف من الجنائية الدولية لم يتبلور بشكل نهائي. وغلبت على التصريحات التي صبت في خانة التجاوب معها جوانب عاطفية أكثر منها سياسية. فالتحديات التي تحول دون المضيّ قدما في الخطوة كبيرة، ويمكن أن تثير مشكلات عميقة. كما أن ارتدادات الخطوة غير مضمونة العواقب؛ فوسط الغيوم التي تحيط بالسلطة الانتقالية قد تفضي المحاكمة خارج السودان إلى منح الفلول فرصة لاستعادة الزخم في الشارع، لأن بعض القيادات الأمنية ستكون مكبلة بالقمع أو التشجيع على التظاهر، ما يسمح بمواصلة الضغوط على السلطة الحاكمة من خلال الشارع. أسبغ الاهتمام الدولي على عملية تسليم البشير جاذبية كبيرة على الحكومة، وأكسبها حضورا أكبر في الشارع، لكنها جاذبية محفوفة بالمخاطر، ربما يضطرها ذلك إلى صرف النظر عنها، مع الجبال المرتفعة من الأزمات وما تجره الخطوة من رسائل، لأن الجرائم الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وهناك سلسلة طويلة من الحوادث والجرائم التي وقعت أثناء حكم نظام البشير وما بعده، الأمر الذي يزيد من عوامل الفتنة على الساحة السودانية.
إذا دخلت المحكمة الجنائية من بوابة البشير وأعوانه فقد تستمر لبعض الوقت في البلاد مع وجود أنماط مختلفة من العنف جرت وقائعها في أنحاء البلاد خلال فترات زمنية متفاوتة، وتعيد الكرة لاستئناف حلقات المطاردة لزعامات أفريقية عدة.
تعيد محاكمة البشير أمام الجنائية الأضواء التي انحسرت عنها، وتضخ الدماء في عروق المغرمين والمتشدقين بتطبيق العدالة الدولية بصورة انتقائية، وتعفيهم من عمليات القتل البشع والانتقام العجيب وتغذية الحروب الأهلية. وكلها جرت بعض فصولها على أراضي دول عربية متعددة، استفزت شرائح من المواطنين.
لذلك لن يجازف السودان بوضع رقبة البشير تحت مقصلة الجنائية الدولية في الوقت الراهن، لأن النتيجة سوف تكون واحدة، لكن هذا الشبح يدفع السلطة الانتقالية إلى التعجيل بإجراء محاكمة محلية نزيهة لا تحتمل مراوغة أو تسويفا، تكسبها مصداقية في الداخل والخارج.

* نقلا عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات