عاجل

البث المباشر

يوم فسدت.. الصحافة

أقر وأعترف أننى وبعد 62 عاماً من عملى الصحفى، بأن الصحافة فسدت وتدهورت منذ أصبحت درجة وظيفية أو مالية.. وأعترف وقد عملت فى واحدة من كبرى المؤسسات الصحفية «المصرية» أن جريدة الأخبار، التى صدرت عام 1952 وأصبحت أكثر صحف مصر توزيعاً، لم يكن فيها سوى ثلاثة نواب- فقط- لرئيس التحرير، هم عبد السلام داود ولطفى حسونة ومحسن محمد. وكان كل واحد مسؤولاً عن إعداد الجريدة وتجهيزها وطباعتها لمدة يومين، وكانت الأخبار تصدر ستة أيام فقط، أما اليوم السابع فكانت تصدر فيه جريدة أخبار اليوم يوم السبت.. وبجانب مهمة نائب رئيس التحرير «ليومين فقط» كان مسؤولاً عن الإشراف على عمل عدد من الأقسام التحريرية.. وكان قبلهم أستاذنا موسى صبرى نائباً لرئيس التحرير، قبل أن يصل إلى منصب رئيس التحرير.. وإذا كنا نعرف أستاذ الأساتذة محمد التابعى مديراً للتحرير، فكان اسمه يعلو أسماء رؤساء التحرير الخمسة.. فإن أحدًا منا لم يكن يعرف اسم مدير تحرير الأهرام.. فما بالكم باسم نائب رئيس التحرير!!.

الآن نجد عشرات- فى كل جريدة- على درجة مدير التحرير.. وعشرات غيرهم هم نواب لرئيس التحرير.. بجانب عدد من مساعدى مدير التحرير، وغيرهم نواب لمساعدى نائب رئيس التحرير.. أما عدد نواب رئيس التحرير.. فهو لا يعرفه حتى رئيس التحرير نفسه.. والسبب أن هذه المناصب، أو المواقع، أصبحت درجة مالية لا أكثر.. يصل إليها الواحد- إن كان فى الأصل صحفياً- إذا وصل إلى عدد محدد من سنوات العمل.. لكى يحصل على الدرجة المالية والحوافز والامتيازات.. والوظيفة التى يضعها تحت اسمه على كارت الزيارة!!.


وإذا كنا نقول إن المركب الذى يقوده رئيسان سريعاً ما يغرق، فإننا- فى دار أخبار اليوم- ورغم وصول عدد رؤساء التحرير فيها إلى خمسة، وربما ستة، لم نكن نعرف إلا رئيساً واحداً منهم، أما الباقى فكانوا كبار كتاب لهم قيمتهم وتجاربهم، مثل زكى عبد القادر، وأحمد الصاوى محمد، وكامل الشناوى، والحمامصى.. بجانب صاحبى الدار مصطفى وعلى أمين، وأحياناً: حسين فهمى.. بينما كان موسى صبرى هو رئيس التحرير الفعلى، أى التنفيذى، الذى يدير العمل كله..

ولكن مع تضخم عدد الصحفيين- فى كل صحيفة- أخذت الصحف بفكرة تعدد المناصب لترضية كل هذا العدد.. ولإسكاتهم بحصولهم على المقابل المادى لهذا المنصب.. وكان يا سعده وهناه من يصل إلى منصب رئيس قسم!! ومنذ حدث هذا الانقلاب وتحول الصحفى إلى مجرد درجة مالية.. بدأ الخلل المهنى والصحفى يدب فى قلب كل صحيفة.. حتى وإن كان توزيعها لا يتجاوز ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة.. وبعدها أصبح عدد العاملين- فى كل صحيفة- أكبر مما توزعه هذه الصحيفة.. من نسخ!!

وتلك هى الكارثة. فقد أصبحت وظيفة.. ولم تعد مهنة أو رسالة!!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة