فرصة مبارك الأخيرة

عبد اللطيف المناوي

عبد اللطيف المناوي

نشر في: آخر تحديث:

عاشت مصر فى تاريخها المعاصر كثيرًا من الفرص الضائعة، فى عصر الرئيس الراحل مبارك نفسه فقدنا فرصًا عديدة.

بدأت تلك الفرص بعد أيام من تولى مبارك الحكم، وخصوصًا فيما يتعلق بقرار الإفراج عن معتقلى سبتمبر ١٩٨١، مرورًا بالمؤتمر الاقتصادى الأول الذى كان متميزًا ونموذجًا يُتبع، والذى عُقد فى ١٩٨٢، وكذلك حرب الخليج بداية التسعينيات، ومحاولة اغتياله فى إثيوبيا، وصولًا إلى عدد كبير من الفرص التى كثرت فى الـ١٨ يومًا بين ٢٥ يناير ٢٠١١، و١١ فبراير، يوم التنحى.

بيان تنحّى مبارك نفسه وإسناد مهمة إدارة شؤون البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة كان إحدى الفرص التى ضاعت على مصر، فحيث أراد بتنحيه أن يجنّب البلاد صراعًا وحمام دم، لم تتلقَّ القوى الفاعلة وقتها الفرصة لبداية جديدة تبنى على ما فات. وتبنت أطراف عدة خيار الانتقام أو الصراع والتقسيم.

وكأن الرجل أراد أن يجعل من رحيله فرصة جديدة. لقد نشر علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، مقطع فيديو من أحد خطابات الرئيس الأسبق ويحمل رسالة إلى المصريين. وحمل الفيديو، الذى نشره علاء مبارك عبر حسابه الرسمى على «تويتر»، رسالة الرئيس الأسبق إلى المصريين، والتى قال فيها إنه لعل كلماته آخر ما يتحدث به لبنى وطنه قبل أن ينتهى العمر ويحين الأجل، ويوارى فى تراب مصر الطاهر.

وقال مبارك فى الفيديو: «إننى وقد اقترب العمر من نهايته.. أحمد الله مرتاح الضمير أن قضيته مدافعًا عن مصر ومصالحها وأبنائها حربًا وسلامًا». وتابع: «إننى بخبرة السنين أقول لكل مصرى ومصرية حافظوا على وحدة الوطن، والتفوا حول قيادته، وانتبهوا لما يحدق بالوطن من أخطار، وما يحاك له من مخططات ومؤامرات.. إن مصر أمانة فى أعناقكم، فاحفظوها وارعوا عهدها، واحملوا رايتها وامضوا بها إلى الأمام.. حمى الله مصر ورعاها وأعلى رايتها».

كلمات مبارك السابقة ما هى إلا محاولة لاستعادة فرصة كانت فى اليد خلال فترة حكمه، أضاعها من أضاعها، وهذا ليس موضوعنا، موضوعنا هو ضرورة الوقوف والتروى لدراسة كيف ضاعت كل تلك الفرص، وكيفية تفاديها فى المستقبل، بل واستثمار تلك الفرص.

ربما أراد علاء من خلال أبيه أن ينبه الجميع لفرصة أخيرة، فرصة ظهرت للجميع هى مشهد جنازة والده، وهى الجنازة التى حضرتها قيادات الدولة، وفى مقدمتهم الرئيس السيسى، وهو المشهد الذى أتمنى ألا تضيع تبعاته. هو المشهد الذى جسد شكلًا من أشكال الرقى والتحضر، واستعادة قيم كانت غائبة عن مصر لفترة طويلة.

لابد من استثمار الفرصة الأخيرة التى منحها مبارك لمصر، وحتى بعد أن غادر عالمنا، والتى نستطيع، إن استثمرناها، أن نُرسى قواعد الدولة واحترام التاريخ، وأن نحافظ على مفاهيم سامية فى الاختلاف، تبتعد عن أدوات الانتقام.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.