عاجل

البث المباشر

كورونا والعولمة و"المؤامرة"

وقف الحاكم جون ونثروب، عام 1630، على متن إحدى السفن المبحرة إلى ولاية ماساتشوستس ووعظ بتشييد "مدينة على تلة تلهم العالم عبر عدالة مبادئها وقوة أنموذجها". ففي المنظور الأميركي للعالم يومها لم تكن السياسة الخارجية مهمة بقدر ما كان غرس مبادئ مشتركة. ويقول هنري كيسينجر في كتابه "النظام العالمي" إنّ الولايات المتحدة "ستصبح غير مستغنى عنها لدفاعها عن نظام القيم الذي أسسته أوروبا"، ويقصد كيسينجر أنّ "سلام ويستفاليا" أرسى أولى الشروط من النظام العالمي المعاصر بحسب خبراء في العلاقات الدولية. وبحسب كيسنجر، فإنّ "الرؤية الأميركية تسعى لبلوغ السلام عبر نشر مبادئ الديمقراطية".

في الصين حيث عدد السكان حوالي مليار و500 مليون شخص، اعتمد النظام الشيوعي في البلاد على الديموغرافيا كثقل اقتصادي يواجه فيه العالم. بات الفرد رقماً يشغّل الماكينات في المصانع ويساهم في صناعتها أو تطويرها. وفي إيران، نظامٌ أوليغارشي أوصل الاقتصاد إلى قعر الهاوية بسبب مشروعه النووي وسياسته القائمة على مغامرات خارجية توسعية ودعمه للإرهاب وللميليشيات على حساب شعبه ورغد عيشه. في الصين، حيث بدأ الفيروس بالانتشار في مدينة ووهان تأخّرت السلطات بتشخيصه، وكيف لا، وفي هذه الدولة يبدو وكأنّ الفردَ رقمٌ، فالنظام الشيوعي معششٌ في الأذهان أولاً. كما في الصين كذلك في إيران، لا يختلف الفرد بالنسبة لنظامها عن المنطق الصيني. أخفت السلطات الإيرانية الفيروس بحسب تصريحات برلمانيين إيرانيين، وتأخرت في التعامل معه ما سرّع انتشاره والسبب "الانتخابات" التي يحتاجها النظام في إطار "دمقراطيته المقنّعة". ومن هذين البلدين انتشر فيروس كورونا بشكل "هيستيري" في شرق آسيا إلى الشرق الأوسط فأوروبا.

في عالمنا اليوم، نعيش في "قرية صغيرة" أفرزتها العولمة. وعندما تحدث الحاكم جون ونيثروب عن "مدينة على تلة تلهم العالم عبر عدالة مبادئها وقوة أنموذجها" لم يخطئ، وبغض النظر عن رأي البعض بهنري كيسنيجر ودفاعه عن "نشر الأميركيين للديمقراطية" إلا أنّ ما يشهده العالم اليوم يؤكد أنّ العولمة لا تزال غير مكتملة الأسس، لحين انضواء كل الدول والمجتمعات تحت لواء القيم المشتركة للإنسان الحافظة لكرامته وحقوقه الإنسانية بالعيش بصحة جيدة خالية من السموم ومخاطر الأوبئة، بخلاف الصين وإيران وفق ما أثبتته تجربة كورونا. ولو تنبّهت الصين للوباء في بداياته، ولو لم "تتآمر" السلطات الإيرانية على صحة شعبها لكان تدارك الفيروس أسهل وأنجع مما هو عليه اليوم.

لكن، يبقى أنّ "خلاص" هذه الدول أمام شعوبها والرأي العام العالمي لا يتمّ إلا بالترويج لنظرية "المؤامرة" والسلاح البيولوجي. أمّا نظرية "المؤامرة" تلك فيدحضها العلم والسياسة في آن.

علمياً، الأبحاث الطبية حول العالم أكدت أنّ هذا الفيروس يضم في تركيبته نحو 80% من السلسلة الجينية المشخصة في السارس، وبأنّه يمكن عبر "الشيفرة الجينية أو Genetic code" تشخيص عما إذا كان هناك أي شيء غير طبيعي أو بيولوجي ضمن هذه الشيفرة كما كان ذلك ليسهّل إيجاد اللقاح، وفي الوقت نفسه تبيّن أن الخفافيش تحمل حوالي 88% من هذا الفيروس.

سياسياً، بدّت السلطات الإيرانية الانتخابات المزعومة واستحقاق "ذكرى الثورة" على صحّة الإيرانيين كي لا يتأثّر الحضور "القسري" للمناسبتين لأسباب صحّية لا يمكن للقادة الإيرانيين تجاهلها جهاراً. وفي الصين، نظريّة "المؤامرة" لا تنطبق حيث إنّ الاتفاق التجاري بين البلدين تم توقيعه قبل ظهور الفيروس، لا بعده وبالتالي فراغ هذه النظرية. أضف إلى ذلك، أنّ كورونا عابر للحدود والقارات وبالتالي فإنّ مفهوم الـ"مؤامرة" لا ينطبق قبل إيجاد الطرف الرابح منه.. ولا طرف إلا وتأثّر. الاقتصاد العالمي في أدنى مستوياته عموماً وتفشي الفيروس في أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً يفنّد كل تلك الادعاءات. يبدو إذن، أن الصين وإيران هما من تآمرا على شعبيهما وانتهيا بتصدير مؤامرتيهما إلى شعوب العالم (بقصد أو بغير قصد).

بالخلاصة، تبقى العولمة وسهولة التنقل والانفتاح بين الدول التي تتباين أنظمتها السياسية والصحية وتعاملها مع "الإنسان" ومواطنيها نقمة دولية تحتاج إعادة النظر بها، وليكن كورونا درساً مهما في العلاقات الدولية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات