"كورونا" سيغير العالم ويغيرنا

وسام كيروز

نشر في: آخر تحديث:

"استعدوا لخسارة أحبة وأقارب".. رئيس حكومة دولة عظمى هي بريطانيا، قرر أن يختار هذه الكلمات القاسية، ليكون صريحا مع شعبه مع دخول البلاد الحرب العالمية الثالثة، حرب يخوضها العالم مع عدو مجهري يسميه فيروس كورونا.

لا يفوت بوريس جونسون الذي قد يكون السياسي الوحيد النخبوي والشعبوي في الوقت ذاته، لا يفوته بأن الإنسان لا يستطيع أن يستعد لفقدان أحبائه، بل إنه يستخدم كل تفوقه الجيني لابتكار أساطير يقنع بها نفسه بأن الأحباء لا يموتون، بأنهم ينجون دائما بمعجزة ما، وبأن هناك أكثر من كوة في جدار قانون الطبيعة، يدخل منها الأمل.

لكن بالعودة إلى السياسة، لم يرد جونسون فقط أن يقول بأن الآتي مخيف، بل كشف عن مقاربة مثيرة للجدل قرر أن تعتمدها حكومته، وهي نظرية "مناعة القطيع".. النظرية نفسها قررت فرنسا اعتمادها، وأيضا ألمانيا وإن بشكل مستتر أكثر.

نظرية "مناعة القطيع"، وهي نظرية يدعمها مفكرون محافظون، تقوم على مبدأ أنه يجب أن يصاب بالفيروس عدد كبير من الناس، حتى 60 أو 70 بالمئة من إجمالي السكان، لكي يكوّن المجتمع ككل، مناعة ضد المرض الجديد.. ليس فقط المجتمع الحالي، بل الأجيال المقبلة.

ماذا تتطلب تلك المقاربة؟ ثلاثة أمور: أولا إبطاء التفشي لكي لا تواجه المشافي حال ازدحام تخرج عن السيطرة، ثانيا عزل المواطنين المعرضين للموت مثل كبار السن والمرضى، وأخيرا، والأهم، الاستعداد لأشهر من "الرقص مع الشيطان". وإذا كان جونسون طالب الشعب بالاستعداد لتقبل الموت، فإن أنغيلا ميركل طالبته بالاستعداد لتفشي الفيروس بين 70% من الناس، فيما اعتبر ماكرون أن البلاد ستواجه الأزمة الأصعب منذ مئة عام.

لكن هل ذلك ضروري فعلا؟ الصين سيطرت على الوضع رغم أن الفيروس تفشى بين 0.005 بالمئة من السكان فقط. هناك بالتأكيد ما يدفع إلى الاعتقاد بأن دولا مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، صاحبة أقدم اختراعات وأعرق اختبارات في مجال الصحة (باستور، فليمينغ وكوخ) لا تعتمد هذه المقاربة عن عبث.

أصبحنا قطيعاً كبيراً

لكن بغض النظر عن صحة نظرية القطيع في المجال المناعي.. لقد حولتنا الأزمة الحالية من دون شك إلى قطيع كبير.. البشر جميعهم أمام التحدي نفسه، أمام فيروس لا يعرف الحدود، لا يميز بين اللاجئ وصاحب الأرض، بين الغني والفقير.. بين الأوروبي المستعمر السابق والإفريقي المستعمَر سابقاً... لأول مرة، يشعر البشر بأن تصرفا شخصيا لرجل مجهول تماما في ووهان الصينية، يهددني أنا في حياتي وعملي في الشرق الأوسط... بالطبع، النظام العالمي لا يأبه لي شخصياً كثيرا، لكنه حتما يأبه لآلاف رحلات الطيران الملغاة، يأبه لملايين الغرف الفندقية الفارغة على امتداد الكرة الأرضة، يأبه للمطاعم المغلقة، ولشهية شبه معدومة على الاستهلاك، عدا المحارم ومحاليل التعقيم والكمامات.

بداية نهاية العولمة؟

يتساءل كثيرون في هذه الأيام، هل هي بداية نهاية العولمة؟ أولا، للتبسيط، العولمة نظريا، هي العالم المفتوح أمام الأفكار والأفراد والبضائع، وهي أيضا قيام ثقافة استهلاكية مشتركة بين البشر.. أما عمليا، فهي أن الشركات الكبرى، ومعظمها في أميركا، وأكبرها في مجال التكنولوجيا، تتحكم بالاقتصاد العالمي، والصين، تصنع بضائعه وتتمدد إلى القيادة. انطلاقا من ذلك، العولمة تواجه اليوم حدودها من دون أي شك. الصين مرضت، فمرض العالم، ووهان أغلقت فاهتزت كندا وأستراليا.. في عالم العولمة، يتفشى المرض بسرعة تقارب ألف كيلومتر في الساعة، وهي سرعة طائرة الركاب العادية التي تنقل المسافرين من هونغ كونغ إلى لندن. أما الخوف من المرض، فيتفشى أسرع بكثير، بسرعة الأصبع الذي يدوس على زر النشر على فيسبوك أو تويتر.

الأسواق تعلمت أن تتآلف مع "البجعة السوداء"، وهي العبارة التي يطلقها المفكر اللبناني الأميركي نسيم طالب على ما هو غير متوقع، وله التأثير الأكبر على مجرى التاريخ، لكن ظاهرة كورونا تكاد تكون "حوتاً" أسود، ليست هي فقط من خارج التوقعات، ولكنها تكاد تكون من خارج ذاكرة التاريخ التي ما انفكت تتقلص في عالم الـ"ستوري" التي تختفي بعد 24 ساعة.

معركة الحدود والجسور

وهنا، لا بد من أن نتساءل، من المستفيد سياسيا من زمن كورونا. يذهب مراقبون كثر إلى الجزم بأن التيار اليميني الجديد، الذي يوصف بالشعبوي، قد يكون الرابح، على الأقل في المدى المنظور.. ها هو رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، رمز الجناح المتطرف في ذلك التيار، ها هو يسارع للتحذير من الأجانب، واللاجئين، فهؤلاء هم من يحمل الفيروس وينشره... في عالم دونالد ترمب أيضا، هو زمن "أميركا أولا" و"أميركا آمنة" بعد وقف الطيران مع أوروبا، وهو أيضا زمن مشروع الجدار الذي يحصد نقاطا جديدة. في هذا الزمن، يجد دعاة الحمائية الاقتصادية ورافضو العولمة حجة قوية لصالحهم، فالعولمة الهائلة تسقط بضربة كائن مجهري.

لكن ماذا لو كانت نتيجة هذه المرحلة هي العكس تماما؟ ماذا لو كان زمن الفيروس غير المسبوق في التاريخ الحديث، فرصة لولادة عولمة جديدة، عولمة قائمة على الإنسان وليس المنتج؟ عولمة باتت تعي، وبعد دفع الثمن الباهظ، بأن ما يصيب ذلك الصيني البعيد الذي أجهل اسمه، وغالبا لا أعرف كيف ألفظه، يصيبني في العمق كإنسان وكمستهلك.. في هذا الزمن، أنظر إلى الرجل الإيطالي يغني من شرفته لتحدي الحجر، ويردد كلمات من أوبرا بوتشيني قائلا: "سأنتصر عند الفجر"، وأنا أشعر بأنني أريده أن ينتصر، وبكل ما تبقى في داخلي من بقايا تعاطف إنساني تلاشى في عالم الفردية والطموح الشخصي الذي لا يكتفي. ماذا لو ولد من رحم هذه الأزمة المخيفة نموذج اقتصادي جديد، يحمي الضعفاء أينما كانوا، ليس لأن في ذلك رحمة فقط، بل لأن في ذلك مصلحة للجميع، وللفرد.

عودة القطيع إلى الحظيرة

على كل حال، في عاصفة الخوف، تعود الخراف إلى الحظيرة.. الناس في منازلها خائفة، لكنها ربما مدركة لما هو الأهم في الحياة.. ولعل اللبنانيين على سبيل المثال، يحظون بفرصة مزدوجة لذلك الإدراك، فبعدما خسروا أموالهم المحجوزة في المصارف، ها هم يخسرون حريتهم.

في الحظيرة، نعرف بأن التواصل الإنساني الحقيقي ثروة لا تعوض، وبأن تصرفات بسيطة، مثل مصافحة الأصدقاء واحتضان الأطفال، مسلمات يمكن أن نخسرها، وهي جميلة جدا جدا، نفرغ فيها نزعتنا الأصلية نحو الآخر.. في الأيام القادمة، قد نرى الأزمة تحول البشر إلى مخلوقات خائفة تتقاتل من أجل الطعام ومحارم التواليت، وقد تجعلهم يعيدون التفكير بضرورة صوغ معان جديدة للحياة، معاً، وليس فقط للحياة في مكان مشترك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.