عاجل

البث المباشر

عمران القفيني

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

حقيقة الروايات والأفلام التي "تنبأت" بظهور كورونا

قبل ظهور كورونا لم أفكّر بعبارة ابن رشيق عن المتنبي "مالئ الدنيا وشاغل الناس". الحقيقة أن هذه عبارة انطباعية لا تستند إلا إلى ذوق ذلك الناقد وذوق كثيرين في عصره وفي عصور لاحقة. هل سمع الروم شعر المتنبي؟ الجواب ينسف العبارة. على أنها صياغة حلوة ليس أكثر.

كورونا ملأ الدنيا وشغل الناس.

ملأ الدنيا فتفشى بأكثر من 150 دولة، وفعل ما فعل. وشغل الناس حتى حاولوا مقاومته بالسخرية تارةً وبالتنقيب في الأدب والفن تارةً أخرى، حين فشلت عقاقير عصر الفايف جي في التغلب عليه.

أخذت المواقع تعدّ قوائم بالأفلام التي "تنبأت" بظهور الوباء، وانتشر بصورة "فيروسية" (ترجمة حرفية لـ viral) غلاف رواية "أعين الظلام" الصادرة عام 81، وصورة من "سمبسون" عام 1993.

وكالة رويترز دحضت وجود نبوءة.. الخلاصة أن الصورة التي قيل إنها من سمبسون وعليها كلمة كورونا مفبركة، وأن الرواية الأميركية كانت تتحدث عن مدينة روسية في البداية (إبان الحرب الباردة) وسلاح بيولوجي أعراض الإصابة به تختلف كثيراً عن الفيروس المعروف علمياً بـCOVID-19. على أن اقتباساً نُسب للرواية كان فعلياً من كتاب آخر صدر عام 2008.

طيب عمَّ كانت تتحدث تلك الأفلام والروايات؟

سكوت بيرنز، كاتب سيناريو فيلم "كونتيجن" – الذي روّجوا له على أنه نبوءة أيضاً - قال إنه استشار علماء أوبئة، بينهم من منظمة الصحة العالمية، قبل كتابة السيناريو، وإن التشابه بين قصة فيلمه وكورونا محض صدفة لا أكثر "فتفشي المرض ليس مسألة ماذا لو؟ بل مسألة متى؟".

الصدفة كلمة مفتاحية. وعلماء الأوبئة كذلك.

فتكت الأوبئة بالبشر مذ كانوا. ولا أحد يزعم أن لديه إحصائية بعدد الضحايا، لكنها متشابهة في الأعراض إذا كان مصدرها واحداً كالفيروس الأقل حجماً من الإنسان بملايين المرات (ربما 5 ملايين مرة).

يزول المرض ويترك شيئاً في ذاكرة الأديب والفنان وخياله.. ففيلم كونتيجن (عدوى) مثلاً يتحدث عن شيء شبيه جداً بالإنفلونزا الإسبانية عام 1918.

أما أفلام الخيال العلمي التي "تنبأت" بظهور أشياء حديثة فاستندت إلى دراسات علمية وآراء خبراء، أو نقول: ما يمكن للعقل البشري تخيّله يمكن له إنجازه، ولو بعد حين.

لكن لماذا الصين؟ ولماذا سنة 2020؟

حكاية الفيروسات مع البشر معقدة وقديمة وينتقل عدد كبير منها إلى الإنسان عن طريق الحيوان. في الصين وعند بعض جيرانها الارتباط بين البشر والحيوانات مختلف؛ يأكلون حيوانات لا تؤكل في مناطق أخرى، ويعيشون مع حيوانات لا يعيش معها الآخرون. على أن عدد السكان الذي يقترب من المليار ونصف المليار له يد في أن تكون هذه الدولة، مصدراً لأوبئة عدة مثل السارس (عام 2002) وصولاً لكورونا (2019).

وفي الحسبان، كذلك، رؤيا الغرب للصين وصورة تلك النظرة في الأفلام.. ومنها أن الصين تصنع فيروسات في المختبر. مختبرات بكّين ليست بريئة تماماً ولا مختبرات واشنطن، فالأسلحة البيولوجية قيد التطوير منذ اختراع المجهر.

هل تتوقع من هوليوود أن تنتج فيلماً يصوّر نيويورك تصدّر الوباء؟ هي تستورده من الصين وروسيا بالطبع.

حتى الآن لم يثبت أن كورونا صنيعة بني آدم، ولم يثبت العكس.

لغز الرقم 2020 الذي لمع في "أعين الظلام" أمام سيناريوهين: إما أنها صدفة، والمصادفات في حياتنا كثيرة لو تأملت، وإما أنه مخيلة الإنسان التي تحب الأرقام البرّاقة.. سنة عشرين عشرين مثلاً، لو تجاهلنا أصلاً أن الفيروس ظهر في 2019.

أواخر التسعينات، أتذكّر كيف كان أهل قريتي يحبون الحديث عن نهاية العالم سنة 2000 التي ستأتي بعد قليل. عاصفة شمسية تقطع الاتصالات والكهرباء كان الكابوس الأبرز حينها. وأخذ بعض معارفي يخزّنون مؤونتهم. ومع أول طائرة ضربت نيويورك في السنة اللاحقة، وكانت ذكريات التسعينات لا تزال ساخنة، قالوا: لعلها البداية.

ربما أكتب رواية عن فيروس يغيّر في خلايا الجسم ويسبب سعالاً حاداً ونزيفاً أنفياً، يضرب العالم في 2100.. إن حلت الكارثة فعلاً فستكون روايتي عاشرةَ تسعٍ في هذا السباق. 2100 رقم لامع؛ لا؟

يميل الناس لتصديق مثل هذه "النبوءات" لأنهم يتحولون أطفالاً في الكوارث.. يتقاتلون على ورق الحمام في السوبر ماركت، ويحسبون كم تبقى من علب التونا في خزانات المطبخ.

على أن السوشيال ميديا ضالعة حتى العظم في نشر إشاعات دون تدقيق في أسوأ الأحوال، وبتوفير مادة للتسلية وتزجية الوقت وطرد الهلع من فكرة فناء الجنس البشري في أحسن الأحوال.

عجز البشر يزيد من خصوبة خيالهم الفردي والجمعي معاً. شيء له علاقة بعقدة النقص.. أحياناً ينتجون سيارات طائرة حيث لا يمتلك الإنسان جناحين، وأحايين كثيرة ينتجون قوائم بأفلام "تنبأت" بكورونا.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات