عاجل

البث المباشر

شكراً كورونا

تحوّلت المدن حجراً بلا بشر. خلت المطارات من المسافرين واقتصر التسوّق على المواد الغذائية والمطهرات. اختفى رواد المطاعم وفرغت أمكنة الترفيه من طالبي الرفاهية. مباريات رياضية بدون جمهور، وشعلة أولمبية انتقلت من اليونان إلى اليابان في رحلة متوحدة يلاعب الهواء نارها فتسمع صدى تراقص لهيبها في الفلا المقفر بدون هتاف أو تصفيق.

تساوى الغني والفقير، القوي والضعيف، السياسي والمواطن. تساوى الظالم والمظلوم. تساوى حوت المال بالزاهد. تساوت الأديان. تساوت الإثنيات والألوان. باتت البشرية جمعاء في خندق واحد تواجه عدوّاً غير مرئي لا تقتله الصواريخ والقنابل. أرعب الكبير والصغير، الحاكم والمحكوم. الكل اتحدوا بما لهم وما عليهم، ليتذكّر الإنسان أن فيروس بحجم رأس شعرة قادرٌ على إسقاط إمبراطوريات مهما علت شأناً وقدرة، ليتأكد أن بناء مهما علا لن ينطح السماء ومهما كان حصيناً يُهدم بـ"رأس شعرة". نعم هو زمن إعادة التفكير وترتيب الأوليات. إنه زمن الزهد والمساواة. إنه زمن تقديم الأهم على الأقل أهمية. إنه الزمن الذي يتوّجب على الإنسان فيه التوقف لرؤية الحياة من زوايا مختلفة وبنظرة جديدة.

قبل الجائحة، كانت الأيام سريعة، والإنسان يسابق الوقت والحياة. يعيش في عجالة وصخب. يعيش وحيداً في مجتمع أناني، لا يكتشف عكسه إلا في شدّته. كانت الحياة العائلية قد تحوّلت إلى وجه من أوجه "التخلّف"، والحب في الروايات القديمة المتناقلة. كان العالم منقسماً بين أقلية جشعة تكدّس المال وأكثرية فقيرة بلا مأوى، وبين من يقتات على الفتات وموائد من البذخ ينتهي طعامها في المهملات. كان من الناس من يموت على أبواب المستشفيات فيما آخرون يصرفون المال على عمليات التجميل. كان أطباء قد تحوّلوا إلى تجّار وصحّة المريض رهن ماله لتأمين سعر دواء أو تسعيرة مسبقة لعملية جراحية. بالخلاصة وصل الإنسان إلى مرحلة يسابق فيها الزمن لجمع المال على حساب الوقت مع الأحباب فينتهي كهلاً يصرف جنى عمره المادي على الدواء ضعيفاً ووحيداً.

وبعد أن كان نمط الحياة سريعاً وصاخباً، خلطت الأشهر الأخيرة الأوراق. باتت الأيام طوالا والوقت لا يُقتل. عقارب الساعة لا تمرّ في ساعة اليد مهما رصّعها الذهب والماس. عادت المواد الأولية أولوية، وأصبح الكساء مكّدساً في الخزائن مهما غلى سعره. اتسعت دائرة الحب وبات الوقت مع الأحباب الرفاهية المتوفرة. انكفأت الدول داخل حدودها والمواطن داخل بيته.. وعاد المنزل لأساسته الروحية وروابطه العائلية. فأهل القصور والأكواخ تساويا، ليجتمع كل منهما في غرفة واحدة حتى لا تقتلهم الوحدة. هو الزمن، الذي اكتشف فيه الإنسان أن مصيره واحدٌ، لا جواز سفر يجعله بمنأى، ولا ماله يقيه، ولا دينه أو لونه أو إثنيته استئناء تجعله في مأمن. هو الزمن الذي يذكّر الكائن البشري بإنسانيته. عسى هذه التجربة تكون درساً للمعمورة جمعاء. لا قصور تنطح السماء ولا قلاع مشيّدة عصيّة على اختراقها، فالقوة قوّة النفس. وبالحب ينتصر الإنسان. فما اعتقدناه يوماً شعارات رنانة فارغة المضمون والتطبيق أثبتت عكسها تجربة فيروس كورونا.

تلك هي لحظة الفصل التي كانت تحتاجها البشرية حتى يغيّر كل منا نظرته إلى الحياة فيعود منها غنيَّ النفس والروح مقتنعا وقنوعاً، صادقاً وصدوقاً مع نفسه وأهله وأخوته البشر. حال أي منا حال الجميع في الولادة والممات، أما ما بينهما ففانٍ إلا بالنفس والإنسانية. شكرا لفيروس بحجم "رأس شعرة" قد أعاد للبشر روح التكافل والتضامن وترتيب الأولويات. عسى كل إنسان يخرج من هذه التجربة مختلفاً ومتسلحاً بروح أنقى وحب أسمى وإنسانية أبقى.

ويقول المهاتما غاندي "إن أردت تغيير العالم.. ابدأ بنفسك". هي تجربة أشهر يعيشها كل منّا وإذا نجحت بتغييرنا، تغيّر العالم حينها ليرتسم نظام عالمي جديد أكثر عدلا وإنسانية وروحانية وزهداً في عام 2020، ونتمنى... وعليه: شكرا كورونا.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات