عاجل

البث المباشر

كوريا الجنوبية.. نجاح آسيوي ضد «كورونا»

يبدو أنه ليس ثمة نقص في الأخبار السيئة بالنسبة للبلدان المتأثرة بفيروس كورونا. ففي الولايات المتحدة، يستعد مسؤولو الصحة العامة لارتفاع كبير في حالات العدوى ولضغط هائل على المستشفيات. ويوم الاثنين الماضي، حذر وزير الصحة الأميركي جيروم أدامس من أن ثمة «احتمالا حقيقياً لأن نكون مثل إيطاليا» التي عرفت أكبر حصيلة وفيات بالفيروس في العالم.
لكن في بلدان أخرى، هناك مؤشرات مشجعة أكثر. فإلى جانب الصين، كانت كوريا الجنوبية إحدى أكثر البلدان تضرراً خلال المراحل الأولى لانتشار الوباء. لكن رداً حازماً وشرساً جعلها واحدة من النماذج الناجحة في التعاطي مع الوباء، بفضل تطبيقها السريع لنظام اختبارات واسع النطاق، إضافة إلى تواصلها المتواصل والشفاف مع الجمهور طيلة الأزمة. جانبان لم تبل فيهما إدارة ترامب بلاءً حسناً خلال الأشهر الأولى من تفشي الفيروس.
ففي كوريا الجنوبية، انفجرت حالات الإصابة على مدى 10 أيام في أواخر فبراير الماضي عندما قفز عدد حالات الإصابة الذي كان لا يتعدى بضع عشرات إلى أكثر من 5 آلاف حالة. لكن معدل الإصابات تباطأ منذ سارع البلد إلى التحرك. فمن أصل أكثر من 8 آلاف حالة مؤكدة للفيروس، مات 75 شخصاً فقط ماتوا حتى الآن، وهو معدل دون متوسط الـ3? المسجل عبر العالم.
وقال وزير الخارجية الكوري الجنوبي «كانغ كيونغ وا»، لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن «إجراء الاختبار مركزي، لأن ذلك يؤدي إلى الرصد المبكر، ويقلل من التهديد أكثر، ويعالج بسرعة الأشخاص المصابين بالفيروس».
أكثر من ربع مليون كوري جنوبي أجروا اختبار الإصابة بالفيروس. وكتبت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «لدى كوريا الجنوبية الآن القدرة على إجراء اختبارات لما يصل إلى 20 ألف شخص يومياً في 633 موقع اختبار عبر البلاد، بما في ذلك مصحات على الطريق تجرى فيها اختبارات للأشخاص وهم على متن سياراتهم وخيام طبية ومنشآت مؤقتة». وتضيف الصحيفة: «تُنقل العينات على متن مركبات نقل متوسطة الحجم، حيث تُخزَّن في حاويات سحب منها الهواء في حرارة تبلغ 4.5 درجة مئوية، إلى 118 مختبراً. ويقوم جيش من المهنيين الطبيين بتحليل العينات».
أما الولايات المتحدة، فلم تتمكن من توفير سوى جزء يسير من ذلك حتى الآن. بعض الولايات الأميركية راحت تستنسخ فكرة الخيام الطبية والمنشآت المؤقتة، لكن النظام متفاوت، والعمل لم يبدأ إلا بعد انتشار الفيروس عبر المدن الأميركية الكبرى. أما في كوريا الجنوبية، إضافة إلى تايوان، وهي قصة نجاح بارزة أخرى في المعركة ضد فيروس كورونا، فقد ساعدت تجربة الأوبئة القاتلة الأخيرة، مثل انتشار فيروس «سارس» عام 2003 وفيروس «ميرس» عام 2015، على بناء الأسس لرد حكومي ومجتمعي فعال على الأزمة الحالية.
ثم هناك مسألة القيادة، فالرئيس ترامب صوّر الأزمة على أنها «خطر صيني» يتم التعاطي معه بسهولة على الحدود الأميركية، وانتقد خصومه السياسيين بسبب تضخيم ما قال إنه تهديد صغير. كما قام على نحو متكرر بنقل معلومات ونصائح غير دقيقة إلى الأميركيين بشأن انتشار الفيروس وقدرة الحكومة على التعامل معه. ولم يبدُ أن الرئيس قد استوعب حقيقة الوضع أخيراً إلا في مؤتمر صحفي يوم الاثنين الماضي، أشار خلاله إلى أن انتشار الفيروس قد يستمر حتى أواخر الصيف.
وقد كتب روبرت كيلي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية: «إن الرئيس الكوري الجنوبي (مون جاي إين) أبان عن تصميم أقوى بكثير لأخذ فيروس كورونا على محمل الجد والسماح للخبراء بإدارة الرد. هنا لا يوجد شيء يشبه تصريحات ترامب بأن الفيروس سيختفي قريباً بكل بساطة أو أنه تحت السيطرة. كما لا وجود لشيء يشبه نظريات المؤامرة المزدهرة على وسائل الإعلام اليمينية الأميركية».
ومن جانبه، قال توماس بيرن، رئيس منظمة «كوريا سوسايتي» في نيويورك: «لم يبد أي بلد رداً فعالا بشكل مثالي، لكن القدر العالي من شفافية وكفاءة المسؤلين الصحيين الكوريين الجنوبيين يقدّم لبلدان أخرى دروساً مفيدة بشأن جهود الاحتواء، وبشأن طبيعة هذا الوباء بالنسبة للمجتمع العلمي الدولي».
هذا النوع من الانفتاح والشفافية، كما قال «لي تاي هو»، نائب وزير الخارجية الكوري الجنوبي، للصحافيين الأسبوع الماضي، يبني «الثقة العامة» ويؤدي إلى «مستوى عالٍ جداً من الوعي المدني والتعاون الطوعي الذي يقوّي جهودنا الجماعية للتغلب على حالة طوارئ الصحة العامة هذه».
في ديمقراطيات كثيرة إلى الغرب البعيد من كوريا الجنوبية، هذا الوعي المدني والثقة العامة ما عادا مضمونين تماماً للأسف.

* نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات