عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

مغالطات القصة الإثيوبية

تغيبت إثيوبيا عن الجولة الأخيرة من المفاوضات مع مصر والسودان التى شاركت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولى، وهمست الحكومة الإثيوبية القائمة بالمفاوضات بأن لديها انتخابات فى أغسطس القادم ولا تريد للمفاوضات أن تؤثر فى النتيجة. لم تكن الحجة مقنعة خاصة أن ذات الحكومة أضافت مجموعة من المواقف التى لم تجعل من تأجيل التوقيع ظرفا حرجا، وإنما جعلته أزمة كبيرة بالعزم على بدء ملء الخزان فى شهر أغسطس. لم تعد الانتخابات سببًا فى وقف الجولة الأخيرة فحسب، وإنما باتت تلاعبًا مع أهم أجزاء الاتفاق ولإيهام الرأى العام الإثيوبى أنه لا مفاوضات ولا الولايات المتحدة ولا منظمات دولية تمنعها من السير فى طريق السد الذى رسمته. لم يكن الأمر تعطيلًا لمفاوضات لأسباب سياسية، وإنما لأن إثيوبيا تريد التراجع حتى عما وافقت عليه بعد مفاوضات مضنية نجحت فى إقامة توازن دقيق بين أطراف الاتفاق كما هو الحال فى كل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالأنهار الدولية. لم يكن الغياب عن التوقيع سياسيًّا، ولا كان احتجاجًا غير مفهوم على الدور الأمريكى، وإنما كان تراجعا عن السير فى طريق اتفاق. عبرت إثيوبيا من الطريق الدبلوماسى إلى أزمة سياسية حادة تحمل فى طياتها احتمالات خطرة.

.. عندما شنت حملة إعلامية كبيرة لكى تعود بالعلاقات المصرية الإثيوبية إلى ما قبل التوقيع على إعلان المبادئ. جاء الهجوم الإعلامى على مصر باعتبارها خصما يتجاوز على الحقوق الإثيوبية وحقوق الدول الإفريقية فى حوض النيل.

قامت الحملة على: أولًا العودة بالمفاوضات إلى مربعها الأول الذى يقوم على أن المياه والسد وما يتعلق بهما من أمور هى مسائل سيادية إثيوبية مع تجاهل ما جرى من تقدم فى جولات المفاوضات المختلفة اعترفت فيها إثيوبيا بطبيعة النيل كنهر دولى. ومن ثم يترتب على الواقعين عليه بحكم الجغرافيا حقوق تاريخية لا يمكن تجاهلها. وثانيا كان جوهر الحملة إعادة صياغة الخلاف السابق بين ما تراه وجهة النظر المصرية التى تركز على اتفاقيات «استعمارية» جرت بين إثيوبيا وبريطانيا فى ١٩٠٢، ومصرية بريطانية فى ١٩٢٩، ومصرية سودانية لا دخل لإثيوبيا بها لتحديد نصيب مائى لمصر فى ١٩٥٩.

وثالثًا التركيز على أن مصر كانت تحصل على المياه بينما حصلت إثيوبيا على التخلف ونوبات من المجاعة (تشير المصادر الإثيوبية دومًا إلى مجاعة الأعوام ١٩٨٣-١٩٨٥ والتى راح ضحيتها مليون إثيوبى نتيجة الجوع وسوء التغذية)؛ ومن ثم فإن السد فى الحقيقة هو سبيل إثيوبيا إلى التقدم ومنع حدوث المجاعات مرة أخرى. ورابعًا اتهام مصر بأنها لا تبذل جهدا كافيا لتنمية مصادرها المائية الخاصة من خلال تحلية مياه البحر، والتخلى عن المحاصيل عالية التكلفة المائية، واستغلال حوض المياه الجوفية «النوبى» المقدر بـ١٥٠ ألف كيلومتر مكعب من المياه، أو إيراد النيل لمصر فى ٥٠٠ سنة! وخامسًا أن مصر لا تركز بالقدر الكافى على التنمية وتهتم أكثر باستعراض قوتها العسكرية ومن ثم فإن عليها أن تحول إنفاقها العسكرى الضخم إلى البحث عن مصادر جديدة للمياه.

الرد المصرى على هذه الحملة الإعلامية الإثيوبية لابد أن يقدم المعرفة بمصر التى يبدو أنها غائبة عن الحكومة والنخبة الإثيوبية التى هى على وشك إضاعة فرصة تاريخية. الحالة العامة فى مصر تقوم أولًا على أن مصر كما حدث فى بلدان أخرى عرفت ثلاث سنوات من الثورة والقلاقل، ومع ذلك فقد خرجت منها دون حرب أهلية، وبمشروع كبير للإصلاح والنهضة. وثانيًا أن ما حدث فى ٣٠ يونيو كان ثورة مصرية تاريخية استعانت بالقوات المسلحة لإنقاذ البلاد من المصير الذى وصلت إليه بلدان أخرى.

وثالثًا أن ما حدث فى ٣٠ يونيو وما بعده كان مواجهة مع جماعة إرهابية حاولت شل الحركة المصرية نحو الإصلاح باستخدام أدوات إرهابية للقتل والحرق، وشل القدرة المصرية على البناء من خلال المظاهرات والاعتصامات وإثارة أشكال مختلفة من الفوضى. ورابعًا أنه رغم استمرار الإرهاب سواء كانت تقوم به جماعة الإخوان المسلمين أو جماعات أخرى، وجميعهم تهديد للعالم كله، فإن مصر نجحت فى تحجيم الإرهاب على أرضها دون استعانة بدول العالم الأخرى. وخامسًا أن المشروع المصرى المجسد فى «رؤية مصر ٢٠٣٠» قد دخل دور التنفيذ من خلال توافق مصرى على القيادة والذى بات من أهم علامات الاستقرار والاستمرار، ومن ثم التنمية وإدارة الثروات المصرية بدلًا من إدارة الفقر، والإنتاج من أجل التصدير وليس الإحلال محل الواردات، وتنمية الطاقات الناعمة المصرية بقدر تنمية طاقات مصر الصلبة، واللامركزية الإدارية للدولة من خلال الحجم المحلى، وتجديد الخطاب الدينى. واستنادا إلى ما سبق فإن مصر تشارك كلا من إثيوبيا والسودان فى أمرين: أولهما المرور بظروف صعبة خلال العقد المنصرم؛ وثانيهما أن مشروعها الأساسى هو التنمية، وقد أسفر هذا المشروع عن نتائج جيدة خلال السنوات الخمس الماضية، أعادت فيها مصر هيكلة نظامها المالى والنقدى، وأعادت فيها بناء البنية الأساسية، وحققت فيها معدلًا محترما للنمو، وخرجت من برنامج متكامل للإصلاح الاقتصادى عالية الرأس.

هذه المشاركة فى إلحاح التنمية تستوجب حل قضية مياه النيل بالطرق السلمية التى تكفل تحقيق المصالح المشروعة لجميع الأطراف؛ كما تحقق بالفعل عندما توصلت الأطراف الثلاثة إلى مخطوطة اتفاق. المياه فى هذا الاتفاق ليست معادلة صفرية، وعلى العكس فإنها سوف تولد الكهرباء لإثيوبيا والسودان الذى سوف يحصل على الكهرباء من مصر أيضا، بينما يحصل السودان ومصر على المياه التى لا توجد تنمية بدونها. والحقيقة أن الاتفاق يمنع المجاعة عن إثيوبيا، ويبعد العطش عن مصر، ويضع البلدين ومعهما السودان على طريق التقدم. وللتذكرة فإن مصر تاريخيا لم تكن مسؤولة عن المجاعة أو قلة الغذاء فى إثيوبيا، وفى مراحل معينة من التاريخ كان تدفق المياه إلى مصر هو الذى يخفف أعباء الفيضانات عن السودان وإثيوبيا. ومن ناحية أخرى فإن منظمة الوحدة الإفريقية، والاتحاد الإفريقى، قاما على مبدأ احترام الاتفاقيات التى عقدت خلال الفترة الاستعمارية، وكان ذلك دفعا لحدوث صراعات ممتدة داخل القارة. وأثناء حرب استقلال إرتريا فإن إثيوبيا دفعت دومًا باتفاقيات الفترة الاستعمارية. ومن ناحية ثالثة فإن البرنامج التنموى المصرى احتوى على تحلية المياه وبالفعل فإن المناطق الساحلية على البحرين الأحمر والأبيض وسيناء تعتمد اعتمادا كليا على المياه المحلاة. كذلك فإن مصر خفضت بشكل كبير إنتاجها من محصولى الأرز والقطن وكلاهما من المحاصيل عالية الاستخدام للمياه الجوفية. وأخيرا فإن مشروع المليون ونصف المليون للتنمية الزراعية يعتمد تماما على المياه الجوفية.

إن علاقة مصر بالنيل تاريخية؛ ولم تكن مصر هبة للنيل وإنما كان النيل هبة للمصريين الذين روضوه وجعلوا منه أداة للنمو والحضارة. إن ما تدعو إليه مصر كلا من إثيوبيا والسودان هو الترويض والتطويع المشترك لمياه النيل بحيث تغذى التنمية الأطراف الثلاثة؛ وباقى دول حوض النيل.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات