عاجل

البث المباشر

مكرم حسيب

<p>كاتب لبناني</p>

كاتب لبناني

هل يعيش اللبنانيون مجاعة 1914؟

التقيته في بيروت، وكان خائفاً على مصير أولاده وأحفاده وما قد يتأتى عليهم من أزمات، هو الذي لا زالت المجاعة بهواجس الخوف منها، تسري في عروق عائلته من أيام جده.

مستهلا الحديث عن رغيف الخبز مشبهاً إياه بروح الفقير. قال هل تصدق أن هناك من كان يتقفى آثار الخيل لجمع برازه، من أجل تجفيفه وانتزاع حبوب الشعير الكاملة المتبقية فيه، ليعمدوا بعدها إلى غسلها وتجفيفها وجرشها يدوياً لاستخدامها كطحين، هذه هي واحدة من أفظع صور المجاعة. وحدثت في لبنان بلاد اللبن والعسل. تأمل بما أقول لتعرف مدى استفحال المجاعة وانعدام موارد الحياة يومها. هي المدن اللبنانية التي عاش أهلها صعاباً فاقت القرى.

وحدثني عن جده... إن حرفة جده كخباز قادت الجنود العثمانيين سنة 1914 إلى بابه منادين عليه بقوة السلاح: انزل يا أبا أحمد هاذين كيسين من الطحين، اعجنهم ثم اخبزهم، ثم أعدهم لجنودنا يرافقك كظلك نفر يراقبك عن كثب. وما على أبي أحمد إلا أن يسخر تعبه وجهده ومخبزه ويشتم رائحة الأرغفة دون أن ينال منها ولو كسرة خبز.

هذه ليست قصة من نسج الخيال إنما هو ماض أليم عاشته عائلتي وحرصت على ترداده أمامنا مرارا وتكرارا لنعرف كيف نجت في فترة كان الموت جوعا أو الهجرة إلى الأرجنتين أو البرازيل أو غيرهما هو خلاص أبناء هذه الأرض.

أعطوا خبزهم للخباز ولكن...

أكمل لي: يذهب الجنود ويعود إلى أولاده وزوجته حاملاً لهم غبار الطحين على يديه ورائحة الخبز وتتكرر الواقعة. كان للخباز وعاء خشبي كبير يسمى بالمغطس حيث يعجن الطحين بالماء، ولما كان الجنود يراقبون عمل الخباز ولا يسمح له بتذوق خبزه ولا باقتصاص قوت عائلته لقاء عمله، دفعته الحاجة إلى أن يطعم عائلته بطريقته، فابتكر ما يخدع مراقبه وقام بثقب أسفل المغطس الخشبي ثقباً صغيراً حيث يعجن الطحين بالماء، بشكل لا يلحظه مراقب، وعمد إلى دفع العجين بقوة حين عجنه فوق الثقب، متقصداً دفع العجين إلى ما تحت الحوض، فيستقر القليل من العجين في مخبأة تؤمن له الحياة ولعائلته النجاة. وبعد أن ينتهي أبو أحمد من عمله يتأكد الجند من حمل كامل الخبز ويرحلون بظلمهم وخبزهم المعجون بالاستبداد، وبعد أن يتأكد أبو أحمد من رحيلهم ينتزع من تحت المعجن الخشبي ما جمعه عبر الثقب. لينعم وعائلته بالفتات.

إلى الجذور در

فما أحوج اللبنانيين اليوم إلى خبز الكرامة الذي افتقدوه منذ 1914 ليومنا هذا. ونرى اليوم من يسرق ربطة خبز في طرابلس ليطعم عائلته، فيودع السجن. ومن كان يرسل أولاده إلى المدرسة على معدة خاوية علهم يحظون بما تبقى من زاد رفاقهم. فهل يعقل في العام 2020 وفي بلاد اللبن والعسل في لبنان أن يحصل ما حصل واليوم بعد المرض المستجد كورونا وما يدور منذ أشهر على طاولة لبنان الاقتصادية والمعيشية من انعدام الوظائف وتعثر البنوك لسرقة المال العام وانعدام البنى التحتية والخدمات والتخطيط والتشرذم السياسي وصولا للثورة.

يتربع الآن على عرش المستقبل مجاعة منوطة بالأوبئة. فاللبناني الذي كان يثور على واقعه وترك بيته ليفترش الشارع مطالبا بالإصلاح وإعادة الأموال المنهوبة وغيرها، أصبح الآن محتجزاً في منازله ويبقى السؤال: أين الدولة من رعاية المواطنين المحتاجين وبغياب الدولة الفاعلة؟

الهجرة التي كانت الخلاص الوحيد استحالت الآن بوجود كورونا، تبقى العودة إلى القرى وزراعة الأرض هي الخيار الوحيد أمام اللبناني بعد أن أقفلت أمامه كل الطرق.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة