عاجل

البث المباشر

عبد العزيز حمد العويشق

<p>الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي</p>

الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي

مجموعة العشرين... مواجهة «كورونا» والركود الاقتصادي

شهدت العاصمة السعودية الرياض يوم الخميس 26 مارس (آذار) انعقاد أول قمة افتراضية لقادة دول مجموعة العشرين، بهدف التنسيق لمواجهة وباء «كورونا المستجد»، وتداعياته على الاقتصاد العالمي. وليس من المبالغة القول إن هذه القمة، كانت أهم اجتماع تعقده المنظومة، فلم يسبق أن اجتمعت مثل هذه التحديات في وقت واحد منذ تأسيس المجموعة في سبتمبر (أيلول) 1999.
وقال الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي رأس القمة، إن العالم يعوّل على تكاتف دول المجموعة لمواجهة «كورونا»، وتنسيق استجابة موحدة، مؤكداً أن لمجموعة العشرين دوراً محورياً في التصدي لآثار الوباء. ودعا الملك سلمان إلى تعزيز التعاون للبحث عن لقاح للمرض وتقوية الجاهزية العالمية لمواجهة الأمراض المعدية مستقبلاً. وفي الناحية الاقتصادية أكد ضرورة استعادة التدفق الطبيعي للسلع والخدمات في أسرع وقت ممكن، وإرسال إشارة لاستعادة الثقة في الاقتصاد العالمي، واقترح تبني مبادرات تحقق آمال شعوب العالم في توحيد الجهود لمواجهة الوباء.
عبّر القادة في ختام اجتماعهم عن التزامهم بالتعاون والتنسيق لمواجهة الوباء والركود الاقتصادي معاً، وهو التزام مهم حين نأخذ بعين الاعتبار التراشق الإعلامي والحروب التجارية بين بعض أعضاء المجموعة، خاصة الولايات المتحدة والصين، واشتدت الخلافات بينهما بعد بدء الوباء في الصين في نهاية العام الماضي ثم انتشاره إلى الدول الأخرى.
انعقدت القمة بعد أن تكررت الشكوى من عدم وجود تعاون حقيقي في مواجهة المرض، سواء في تبادل الخبرات أو الأجهزة أو في التعاون العلمي للتوصل إلى لقاح أو دواء للمرض، حتى بين دول الاتحاد الأوروبي، أو داخل أميركا بين الولايات المختلفة، ناهيك من التعاون بين الدول المتخاصمة أو المتنافسة.
ركز بيان قادة قمة العشرين على سبعة محاور في هذه المواجهة، شملت العمل معاً على حماية الأرواح أمام انتشار الوباء، والحفاظ على الوظائف ودخل الأفراد، وإعادة الثقة بالاقتصاد والحفاظ على الاستقرار المالي، وتقليص الانقطاعات في خطوط التجارة وسلاسل الإنتاج والعرض العالمي، وتقديم المساعدات للدول المحتاجة، والتنسيق في مجالي الصحة العامة والإجراءات المالية اللازمة لمحاربة وباء «كورونا المستجد».
ومن أهم ما صدر عن القمة الطارئة التزام الدول العشرين بضخّ أكثر من 5 تريليونات دولار بهدف الحد من التدهور الاقتصادي ووقف الانزلاق نحو الكساد والإفلاس لكثير من الشركات، وربما بعض الدول.
وشجع القادة على استمرار البنوك المركزية في التعاون فيما بينها، وتوفير السيولة اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي.
وكان لافتاً مشاركة العديد من المنظمات الدولية، وقد التزم القادة بدعم تلك المنظمات، خاصة منظمة الصحة العالمية للتعامل مع الوباء، ومنظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي للحد من التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي، خاصة الدول التي قد لا تستطيع التعامل مع الأزمتين المتزامنتين في الصحة والاقتصاد. وتتولى المملكة العربية السعودية رئاسة مجموعة العشرين منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، متسلمة بذلك دور المنسق الرئيس لعمل المجموعة، التي تهدف الآن لدعم الاقتصاد الدولي بالأدوات والإجراءات اللازمة لمنع انهيار اقتصادي شامل.
ومجموعة العشرين مُهيأة لتولي هذا الدور، فيما لو التزمت التعاون بينها كما وعدت في قمة الرياض. فدولها تمتلك 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الدولي، و80 في المائة من التجارة الدولية، ونحو ثلثي سكان الأرض، ونصف مساحة الكرة الأرضية. فلديها القوة والأدوات المالية واللوجيستية التي تستطيع من خلالها تخفيف الآثار السلبية لوباء «كورونا».
ومما يبعث على التفاؤل أن قطبي المجموعة - الولايات المتحدة والصين - اللذين يمتلكان معاً نحو 40 من الاقتصاد العالمي، يبديان اهتماماً جديداً بالتعاون الدولي بعد سنوات من الحروب التجارية والكلامية. ففي الأسبوع الماضي دعت الصين، حيث بدأ الوباء، إلى تعزيز التعاون الدولي من خلال مجموعة العشرين، التي وصفتها بأنها «المنصة الرئيسية للتعاون الدولي في مجال السياسات الاقتصادية، فبعد الأزمة المالية لعام 2008 لعبت مجموعة العشرين دوراً تاريخياً في انتعاش الاقتصاد العالمي». وأبدت الصين استعدادها للعب دور فعال وتقديم «أفكار بناءة» لتمكين المجموعة من القيام بهذا الدور في الأزمة الحالية.
وأكد الرئيس الصيني شي جينبينغ هذه الرغبة خلال القمة، حيث قدم أربعة مقترحات رئيسية؛ أولها زيادة التعاون الدولي في المجال الصحي، والثاني منع انتشار المرض عن طريق مساعدة الدول النامية على مكافحته، والثالث زيادة الدعم لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة المرض على المستوى الدولي، والرابع التنسيق في السياسات الاقتصادية بين الدول، بما في ذلك التعاون في السياسات المالية والنقدية واستقرار أسعار الصرف والأسواق المالية.
أما الولايات المتحدة، التي لم تنجح حتى الآن في منع انتشار الوباء في أراضيها، بل أصبحت هذا الأسبوع البؤرة الجديدة له، فقد وضعت خطة طموحا هي الأكبر عالمياً للتعامل مع الآثار الاقتصادية للوباء، إذ أقر مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي حزمة تحفيز اقتصادي تجاوزت قيمتها تريليوني دولار، أو ما يعادل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وأكثر من 2 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي.
وقد أصبحت الخطة الأميركية لإنعاش الاقتصاد مثالاً يُحتذى، فأعلنت مجموعة العشرين يوم الخميس عزم دولها على تبني خطط مشابهة تتجاوز قيمتها 5 تريليونات دولار، أي نحو 6 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، وهي طموحات غير مسبوقة في تاريخ مجموعة العشرين، وفي تاريخ الأزمات الاقتصادية عموماً. لم يعد دور مجموعة العشرين هامشياً مكملاً لعمل منظومات أخرى، ولم يعد دورها اقتصادياً فقط. إذ خلال الفترة منذ تأسيس المنظومة في عام 1999 إلى عام 2008 ركزت على المسائل المتعلقة بالاستقرار المالي، وكانت من اختصاص وزراء المالية وحدهم تقريباً، وكانت حينها مجموعة السبع، وأحياناً مجموعة الثماني، المكان الذي يجتمع فيه قادة الدول الكبرى لمناقشة الأمور السياسية والاقتصادية.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، غير الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ذلك، حين دعا إلى أول قمة للمجموعة عُقدت في واشنطن لمناقشة تداعيات الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة وانتشرت إلى بقية دول العالم.
وهنا تتفق الولايات المتحدة والصين على أن تلك القمة ومجموعة العشرين نجحت إلى حد كبير في التنسيق بين الدول للخروج من تلك الأزمة، خاصة من خلال تبني برامج التحفيز الاقتصادي.
ومنذ ذلك الحين عقدت مجموعة العشرين أكثر من عشر قمم لرؤساء الدول، وعشرات من اجتماعات الوزراء والخبراء، ولم تعد تقتصر على معالجة القضايا المالية البحتة، ففي قمة عام 2019 في اليابان، ناقشت المجموعة ثمانية مواضيع رئيسية، كان من ضمنها الصحة، وتمكين المرأة، والابتكار، وسياسات التوظيف، والتنمية المستدامة، والبيئة والطاقة، بالإضافة إلى التجارة والاستثمار والتنسيق الدولي.
وبسبب الظروف الحالية، فإن تركيز مجموعة العشرين سيكون على معالجة الآثار المدمرة لوباء «كورونا»، سواء في مجال الصحة أو الاقتصاد، وهذا ما انعكس على بيان قمة الرياض الافتراضية التي عُقدت يوم الخميس.
وبذلك أصبحت المجموعة بقيادة السعودية محط الآمال لتنسيق الجهود الدولية وتقديم الحلول والأدوات المطلوبة للتعامل مع الأزمة العالمية الصحية الاقتصادية المزدوجة، وهذا يتطلب متابعة دقيقة للمساهمة في تحقيق تلك الآمال.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة