عاجل

البث المباشر

الأقنعة الطبية والوقاية من الوباء

يغطي القناع الطبي الواقي فم وأنف مَن يرتديه، وله شرائط لربطه بالأذن، وكثيراً ما يُستخدم مصطلح «القناع الجراحي»، بالتبادل، للإشارة إلى الشيء نفسه، لكن يتم تعريف هذا القناع بين موردي المستلزمات الطبية في الولايات المتحدة بأنه قناع ذو أربطة متينة توضع وراء الرأس مما يجعله أكثر ثباتاً. عادة ما يتم تصنيع النوعين من ثلاث إلى أربع طبقات من القماش غير المنسوج، وتكون طبقة من الطبقات الوسطى مصنّعة من البوليمر المعالَج بطريقة خاصة بحيث تعمل كمرشح، وقد تم تصميم النوعين ليتم التخلص منهما بعد الاستخدام.
القناع الجراحي مجهَّز للاستخدام في غرف العمليات وغيرها من البيئات المعقمة، في حين أن القناع الطبي الواقي مجهّز للاستخدام في الأماكن التي بحاجة إلى أن تكون نظيفة، لكنها لا تكون معقمة بالضرورة. يوفر النوعان حماية من الأشياء التي قد تتطاير إلى الأفواه والأنوف، لكن دورهما الأساسي في السياق الطبي هو حماية المريض، مما قد يتطاير من أنوف أو أفواه مَن يرتدي الأقنعة.
للأقنعة «إن 95»، التي عادة ما يقوم موردو المستلزمات الطبية الأميركيون بتسويقها على أنها وسائل حماية من استنشاق أي مواد خطيرة، غرض مختلف، حيث تقي من يرتديها من استنشاق الجزيئات الصغيرة المنقولة عبر الهواء، حيث يعني اسم القناع أنه مُصمَّم لترشيح 95 في المائة على الأقل من تلك الجزيئات. يرتدي عمال البناء هذا النوع من الأقنعة للوقاية من الغبار، في حين يرتديها رجال الإطفاء للحماية من الدخان، ويرتديها سكان بعض المدن للحماية من تلوث الهواء، ويرتديها ممارسو المهن الطبية لحمايتهم من انتقال البكتيريا والفيروسات من المرضى المصابين بأمراض معدية.
أكثر هذه الأقنعة مصنوعة من مادة البولي بروبلين غير المنسوجة، وعادة ما تكون صلبة وقاسية وليست مريحة تماماً، ومن الصعب التنفس من خلالها. كذلك إذا لم تضعها بالطريقة الصحيحة، فلن توفر لك الحماية بالكامل.
أقدم إليكم بعض المعلومات الأساسية غير المستندة إلى خبرة كبيرة. على سبيل المثال، كيف تحمي تلك الأقنعة مرتديها بشكل سحري؟
الإجابة هي أنه لا يوجد أي سحر في الأمر، حيث يمكن للأقنعة «إن 95» حماية مرتديها حتى إذا لم يكونوا من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وليس عليهم وضعها بشكل صحيح. تكمن المشكلة في أنها تنفد من مستشفيات الدولة في خضم تدفق المرضى المصابين بفيروس «كورونا»، وينبغي أن تكون الأولوية للأشخاص العاملين هناك.
الأقنعة الطبية والجراحية أرخص ومريحة بدرجة أكبر من أقنعة «إن 95»، وهي لا توفر قدراً كبيراً من الحماية من الأمراض، لكن يبدو أنها تحمي الآخرين من مرتدي الأقنعة المصابين بأمراض معدية. وقد أسهم تزايد انتشار استخدام النوعين في الصين، والعديد من الدول الآسيوية منذ يناير (كانون الثاني) في إبطاء انتشار فيروس «كوفيد - 19» بتلك الدول. إذا أرادت الدول الغربية استعادة نشاطها الاقتصادي بأمان إذا ما نجحت قرارات البقاء في المنزل في وقف انتشار الفيروس، ينبغي التشجيع والحثّ على ارتداء تلك الأقنعة الطبية.
للأسف، هناك نقص في تلك الأقنعة في الوقت الحالي إلى حد اضطرار بعض المستشفيات إلى تصنيع أقنعتها الطبية الخاصة بها، وتقترح مراكز مكافحة الأمراض أن الوشاح الصغير سوف يفي بالغرض إن استدعت الضرورة ذلك. هناك زيادة في إنتاج الأقنعة الطبية، لكن لا يزال الطلب عالمياً، ويتم تصنيع أكثر تلك الأقنعة في أماكن بعيدة جداً عن الولايات المتحدة، لذا لا أتوقع أن نجدها على أرفف الصيدليات في وقت قريب. كذلك بحسب صفحة المعلومات الخاصة بـ«وول غرينز»، لن تمنع أقنعة الوجه من انتشار فيروس «كوفيد - 19»، وينبغي على المرضى المصابين والعاملين المسؤولين عن رعايتهم فحسب ارتداء تلك الأقنعة. وكما يوضح الجراحون أيضاً، لن يساهم ارتداء الأقنعة الطبية في منع انتشار الفيروس، إلا عندما يرتديها أشخاص بعينهم، وهذا هراء.
سوف يتسبب الشراء المحموم للأقنعة الجراحية بدافع الذعر في عدم توافرها لمن يحتاجون إليها، وهذا ليس هراء، كما أوضح مسؤولون في سنغافورة في بداية انتشار ما أطلقوا عليه حينها «فيروس ووهان»، حيث أعرب أحد الوزراء عن ارتياعه من ارتداء كاري لام، الرئيسة التنفيذية لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، أقنعة طبية، خلال مرات ظهورها، وقال إنه لو كان قد فعل ذلك هو وزملاؤه لكان نظام المستشفيات في سنغافورة قد انهار بسبب نقص الأقنعة الطبية. لذا بدلاً من نهي السلطات في سنغافورة الناس عن ارتداء أقنعة واقية، أعلنت في نهاية يناير (كانون الثاني) عن منح أربعة أقنعة جراحية إلى كل أسرة من الـ1.3 مليون أسرة في البلاد، مع التوجيه بأن يتم استخدامها بشكل مقتصد. وقال لورانس وونغ، وزير التنمية الوطنية: «لا يرتدي المرء القناع الطبي إلا إذا كان يشعر بأنه ليس على ما يرام، وعليه حينها زيارة طبيب، أما الأصحاء فلا يحتاجون إلى ارتداء قناع طبي».
ربما يبدو هذا الطرح صحيحاً استناداً إلى مبدأ الأولوية، لكن بالنظر إلى وجود بعض الأدلة التي تشير إلى إمكانية انتقال الفيروس من أشخاص لم تظهر عليهم أي أعراض بعد، ربما كان قد ساعد ارتداء الأقنعة الطبية في تحسين الوضع لو كان قد تم استخدامه بشكل أكبر من ذلك. وقد اقترح رئيس مركز العدوى في جامعة هونغ كونغ خلال الأسبوع الماضي أن يتم منع مَن لا يرتدي قناعاً طبياً من التنقل والحركة في البلاد خلال الوقت الحالي. وفي اليابان حيث ينتشر ارتداء الأقنعة الطبية منذ فترة طويلة، ربما يكون ذلك سبباً مقنعاً ومنطقياً لبطء انتشار فيروس «كورونا» في البلاد، في ظل عدم اتخاذ الحكومة إجراءات صارمة بالدرجة التي نراها في باقي أنحاء العالم.
مع ذلك لا داعي لليأس، فرغم أن الأقنعة القماشية المصنوعة منزلياً، والأوشحة لن تكون فعالة تماماً في الوقاية من الجراثيم مثل الأقنعة الطبية الواقية، ربما تكون فعالة بدرجة ما، فعلى الأقل سوف تمثل إنذاراً للآخرين باحتمال أن يكون من يرتديه معدياً. كذلك إذا حالفنا الحظ وتباطأ انتشار الفيروس خلال فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي، ربما تتمكن بعض الدول الغربية، مع تشجيع من الحكومات، من توفير ما يكفي من الأقنعة الطبية للجموع.
لذا بعد اختفاء الفيروس أو بعد أن يصبح غير ضار نسبياً على الأقل، ربما نريد - نحن الغربيين - التفكير في اكتساب عادة ارتداء الأقنعة الطبية الواقية عند الخروج حين نعاني من حمى أو حتى رشح. أعتقد أن هذا قد ينقذ آلاف الأرواح حتى خلال مواسم الإنفلونزا الاعتيادية، ويجعلنا أكثر استعداداً وجاهزية للوباء التالي.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات