عاجل

البث المباشر

خليل ولد اجدود

<p>مراسل متجول ومتابع للشأن الليبي&nbsp;</p>

مراسل متجول ومتابع للشأن الليبي 

قصتي مع "الحجر الصيني" والبعوض

تعرف الصحافة بكونها مهنة المتاعب لكن هل زاد "كورونا" متاعبنا؟ وهل فرض علينا بسببه المزيد من القيود؟

منذ بداية أزمة ما بات يعرف بجائحة فيروس "كورونا" العالمية تنقلت بين عدة دول في مهمات مختلفة لا علاقة لها بانتشار الوباء.

بيد أنني لم أجد نفسي ممنوعًا من القيام بواجبي المهني وحريتي مقيدة وفي مأزق مثل هذا الذي أواجه في بلدي منذ حوالي أسبوعين.

عبرت إلى الضفة الموريتانية للنهر قبل مغيب شمس يوم طويل بدأ بالخروج باكرا من شقة في مدينة "سينلوي" أمضيت فيها استراحة خلال الهزيع الأخير من الليل في طريقي من مطار داكار إلى معبر "روصو" على الحدود الموريتانية السينغالية.

كنت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمتابعة مستجدات النزاع بين مصر وإثيوبيا حول برنامج ملء وتشغيل بحيرة سد النهضة، وكان يفترض أن أعود إلى الدار البيضاء أو أن أذهب إلى دبي حيث مقر القناة الرئيسي.

أغلق المغرب مجاله الجوي وتوقف إصدار التأشيرات لدخول الإمارات.

في غضون ذلك اتصل بي المدير الجديد لقسم المراسلين الصحافي المخضرم والقدير أحمد سيف وطلب مني الذهاب من إثيوبيا إلى جنوب إفريقيا لمتابعة قصة باخرة سياحية موبوءة بفيروس كورونا المستجد، حجزت لي الزميلة ندى من قسم التخطيط تذكرة سفر وغرفة في أحد فنادق "كيب تاون" التي رست في شاطئها الباخرة، وشرعت في التخطيط للرحلة وللتغطية وفق معايير السلامة التي تحظى بأولوية لدى الإدارة العامة حتى وإن كانت هذه المهمة تبدو غير خطيرة بالمقارنة مع مهمات لزملاء في دول أخرى انتشر فيها الوباء بشكل مرعب ما أدى لشلل في الحياة العامة ولإصابة ووفاة الآلاف.

في "كيب تاون" الوباء بقي خارج المنتجع السياحي والركاب المصابون تم عزلهم، ولم يكن مطلوبا مني صعود الباخرة أو الاختلاط بالسياح.

تغيرت وجهة السفر من مدينة تصنف ضمن أفضل الوجهات السياحية في العالم إلى الحجز عنوة في غرفة من شقق متواضعة على بعد أمتار من نهر السينغال وفي حي تسيطر عليه جحافل البعوض، وشهرته مصدرها ليس شلالات مثل تلك التي تستقطب الزوار وإنما مستنقعات قذرة لا تنضب قبل بزوغ شمس الصيف الحارقة وتمنع خلال موسم الأمطار السكان من الدخول أو الخروج من منازلهم، وتقطع أوصال مدينتهم تماما مثل ما فعل "كورونا" بدول وقارات.

بمساعدة دبلوماسيين موريتانيين تقدمت للحصول على تأشيرة دخول جنوب إفريقيا من سفارتها في أديس أبابا، رفض موظفو القنصلية منح التأشيرة بحجة أنني غير مقيم وليست لدي دعوة من مؤسسة محلية،
لاحقًا عدت لمبنى السفارة بمعية مسؤول سامي في الاتحاد الإفريقي، وقابلنا السفير وشرحت له أنني ذاهب في مهمة صحافية طارئة ومستعجلة، ومع حديثه عن إجراءات بيروقراطية قد تأخذ وقتًا.. سنستلم الملف غدا ونبعثه إلى الخارجية وننتظر الرد، ارتأيت أنه ما دام الحدث المهيمن على الأخبار هو نفسه في جميع دول العالم الذهاب إلى السينغال قبل إغلاق مطار داكار، وأن أساهم في تغطية جديد الوباء من موريتانيا ودول غرب إفريقيا.

في موريتانيا يكثر الحديث عن هدوء وأخلاق الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي استلم الحكم في أغسطس/أب الماضي خلال تداول سلمي نادر على السلطة في بلد اشتهر بالانقلابات..

جمعتني ثلاث عواصم خلال هذه الفترة العصيبة من عمر "كورونا" مع ولد الشيخ الغزواني، مر بجانبي يمشي هونا وموطأ الأكناف صبيحة يوم من فبراير خلال قمة في كونغو برازافيل حول الصراع في ليبيا - الملف الذي أتابع منذ 2011.

وتقدمت للسلام عليه احتراما لمن انتخبه الشعب الموريتاني رئيسا وتقديرا لمنزلته ومكانة عائلته في مجتمعنا
ومثل كثير من الموريتانيين أثلج صدري عمله على إضفاء مسحة أخلاقية على الحياة العامة والكساد الذي واجه الجواسيس والمرتزقة والمنافقين والمشائين بنميم بسبب نهج مختلف في الحكم، إضافة إلى احترامه لشعبه وتقديره للشخصيات الوطنية والعلمية والتشاور مع الجميع للنهوض بموريتانيا وتعيين حكومة كفاءات ومنحها الصلاحيات الكاملة.

بعد ذلك بيومين أو ثلاثة جمعتنا الصدف أيضا في أبوظبي وكنت في فندق لا يفصله سوى شارع واحد عن قصر الإمارات الذي أقام فيه وسط ترحيب وحفاوة بالغة عكست في آن تقاليد عريقة في الضيافة عرفت بها دار زايد وعمق العلاقات التاريخية وارتفاع مستوى التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين الشقيقين.

وفي غضون أسبوع جمعنا أيضا مبنى الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا عندما جاء للمشاركة في القمة الإفريقية
هل كان علي أن أسعى لمقابلة الرئيس مثل ما اقترح زملاء خلال هذه الزيارات لتجنب المضايقات والمصاعب التي واجهت في مهمتي الحالية؟

لدي رسالة واحدة كما شرحت لهم وهي رغبة القناة في مقابلة خاصة مع السيد الرئيس، وبما أن هذه الرسالة وصلت وتمت برمجة اللقاء لم أر داعيا لطلب موعد خاصة أن المقابلة التي اتفق على تسجيلها في نيويورك على هامش مشاركة الرئيس في الجمعية العامة للأمم المتحدة تم إلغاؤها من طرف ديوانه بشكل مفاجئ، ولم أر أنه من المناسب تكرار طلب قائم أو أن أتعب نفسي في إقناع المحيطين به أن لا يضيعوا الفرصة التي يمنحها لهم منبر مهم ومؤثر في العالم العربي مثل قناة العربية.

ومع مرور المزيد من الوقت على تقييد حريتي من طرف عناصر الدرك وإجباري على الانتقال لحجز سيئ ينهش المقيمين فيه البعوض ويتم فيه تقطير المياه من حنفيات عهدها بالصيانة قديم، تساءلت في نفسي مرة أخرى هل كان علي فعلا أن أذهب لرئيس يظهر قدرة كبيرة على الاستماع للحديث معه عن ضرورة التوجيه بالمزيد من العمل على احترام الصحافة خاصة خلال الأزمات، وفسح المجال أمامها للقيام بعملها وفي الحصول على المعلومات وتكريس الحريات والقطيعة مع سياسات التعتيم والحظر والقمع.

هذا الأسبوع لاحظ صحافيون ومدونون أن ولد الشيخ الغزواني الذي انعقد حول "شخصيته" دون نظامه الناشئ (حتى الآن على الأقل) إجماع نادر لم تعرفه البلاد منذ عقود، أضاف إلى فصاحة اللسان فصاحة اليد وأعلن حزمة إجراءات "شعبية" لمواجهة وباء كورونا.

لكن هل هذا وحده يكفي؟ وهل يمكن أن يسع الناس بما هو أكثر من أخلاقه وأقوى تأثيرا على الموريتانيين في حياتهم اليومية ومستقبلهم من خطة طارئة يفرضها تسلل الوباء؟

بالإضافة إلى حصيلة الضحايا المؤقتة والكبيرة أثقل تفشي "كورونا" كاهل ميزانيات بلدان غنية وفقيرة وخلق فوضى وحالة ارتباك عامة وكبد قطاعات حيوية في اقتصاديات متطورة خسائر مادية جسيمة.

بيد أنه في نفس الوقت شكل فرصة ثمينة لحكومات فاشلة لم تتمكن من تحقيق إنجازات ملموسة وتبدو عاجزة عن تغيير وجه الحياة البائس في بلدانها لكسب بعض التعاطف والمزيد من الوقت من خلال عملها على احتواء الوباء ومنع انتشاره.

لقد تراجعت تطلعات الناس إلى مستقبل أفضل وخفت حدة الاحتجاجات الاجتماعية والحركات المطلبية وأصبح سقف طموح الشعوب المطحونة البقاء على قيد الحياة وكسب المعركة المصيرية ضد الفيروس المستجد والقاتل.

ومع أن الأزمة الحالية خطيرة وأدت إلى إعلان الاستنفار وحالة الطوارئ و استدعاء الجيوش لمواجهة عدو غير مرئي وشديد البأس لكن الحكومات تتفاوت في احترام القواعد والميكانيزمات الأساسية لإدارة الأزمات.

في موريتانيا تقرر إغلاق المعابر مع السينغال ليلا ودون إنذار مسبق أو مهلة، وهو ما تم تفاديه في قرار حظر السفر بين الولايات.

كنت في معبر "روصو" ولفت الانتباه إلى الارتباك الذي حدث عندما شرعت قوات الأمن في تطبيق قرار لم يتم الإعلان عنه ومنع مواطنين في خرق سافر للقانون من العودة لوطنهم، ونقلت على شبكات التواصل جانبا من معاناة المسافرين الذين اصطفوا في طوابير طويلة ينتظرون "العبارة" من الثامنة صباحا وحتى الخامسة عصرا.

تقرر السماح للموريتانيين العالقين في "روصو سينغال" بالعبور وسد جميع المنافذ نهائيًا بعد ذلك.

عندما عبر هؤلاء المواطنون إلى الجانب الموريتاني من الحدود لم تنته معاناتهم، أمضى الكثير منهم في شكل آخر من وعثاء السفر ليلة في العراء داخل باحة المركز الحدودي، وتم تفويجهم بطريقة سيئة إلى فنادق في العاصمة نواكشوط.

لم أفهم الإصرار على عزل صحافي عن العالم قسرًا حرصًا على الصحة العامة في الوقت الذي ينتظر فيه منك الصعود في حافلة مكتظة وعلى متنها مسافرون قادمون من وجهات مختلفة!

يا لها من ليلة طويلة لم يخفف كدرها سوى أريحية عناصر الشرطة وظرافة قصصهم.. جلبوا بساطا صغيرا من البلاستيك وأدوات الشاي.. إنهم أقرب دوما إلى الشعب وأكثر معرفة بالناس وخبرة في التعاطي مع المدنيين.. حاجياتهم بسيطة ولا يريدون أكثر من المواساة.

لقد تعرضت لظلم سافر من طرف الدرك الموريتاني، وتم منعي من مواصلتي مهمتي أو العودة إلى داكار وشرحت ذلك لوزراء ومسؤولين كبار بهذا الشكل:

1- قادم من بلد لم يكن مصنفًا ضمن البلدان الموبوءة (تاريخ الوصول للحدود).

2- جئت بصفتي مراسلا دوليا لتغطية تطورات الوباء وجهود موريتاتيا في مواجهته والحياة العامة في أجواء الإجراءات الاحترازية وليس لقضاء إجازة تعيسة محتجزًا في الحجر الصحي.

3- إذًا كان هذا العمل الحكومي والجهد الكبير في الوقاية من خلال لجان وزارية وخطط طارئة "تقنيا بحتا" ولا دخل لأي اعتبارات فيه يفترض أن يأخذ في القرارات المرتبطة به رأي المختصين والمعنيين في الميدان من أطباء وفنيين وهم أعضاء اللجنة الجهوية في معبر "روصو" يتقدمهم المدير الجهوي للصحة في الولاية، وقد قال لقائد الدرك في المعبر إن اللجنة لا ترى ضرورة لاعتقالي ووضعي رهن الحجر الصحي وطلبوا الإفراج عني و عدم تقييد حريتي للقيام بواجبي المهني كما الأطباء.

4- المراسلون الصحفيون القادمون بتكليف لتغطيات تم استثناؤهم في جميع أنحاء العالم من الحجر الصحي وسمح لهم بالعمل في أجواء مواجهة الوباء.

في البرازيل كما في دول أخرى تم استثناء المراسلين الدوليين والصحافة الوطنية الميدانية من قرارات حظر التجوال والحجر الصحي الجماعي إلى جانب العاملين في قطاعي الصحة وتوزيع المواد الغذائية.

تواصلت مع وزراء أعضاء في لجنة "كورونا" وأبدى بعضهم تفهمه لكن ما صدمني حقا هو أن وزراء فيما يفترض أنها دولة قانون ومؤسسات لا يمكنهم تصحيح خطأ أقترفه عناصر من الدرك!

في وسع وزير الصحة الموريتاني الدكتور نذير ولد حامد أن يستفيد من تجربة الصين دون أن يفرط في الاستماع للسفير الصيني.. الصين ليست دائما مثالا جيدا في تسيير الأزمات وفق القوانين والنظم المعمول بها ولا تهتم حكومتها كثيرا بكرامة مواطنيها وحقوقهم الأساسية.

الأمر جلل فعلا ومع الزخم الكبير لأدائه في شبكات التواصل ووسائل الإعلام الرسمية بمقدور الوزير أن يحافظ على رباطة جأشه وهدوء رجال الدولة وأن يواصل عمله بطريقة تنسجم مع مكانته الاجتماعية وقامته العلمية وموقعه الوظيفي.

وبالنسبة لي هذا وقت سيئ سيمر وأذى في المهنة سببه ضغط تواجهه الحكومة وسوء تقدير وارتباك وخلط بين القادمين لا يفترض فيه سوء نية.

وبالتأكيد يشكل خطر "كورونا"اختباراً صعبًا لجميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش الوطني، وأعتقد أن قائديه وهما وزير الدفاع حنن ولد سيدي ورئيس الأركان الفريق محمد الشيخ ولد محمد لمين جديران بالاحترام والثقة وعملهما يظهر ذلك.

واجهت مواقف أكثر صعوبة وحكاية الصحفيين مع المعابر والمطارات وتغطيات الحروب والنزاعات والأزمات والأوبئة طويلة لكن شعرت بالمرارة لهذه المعاملة والتصامم عن خطاب التكليف من المؤسسة الإعلامية التي أعمل فيها، والتعلل بالتوجيهات الصارمة بخصوص منع أي استثناءات للشخصيات الاعتبارية في الوقت الذي عبر فيه قادمون من بلدان موبوءة دون أن يشملهم الحجر الصحي ونقلوا العدوى إلى آخرين!

في يناير 2015 زرت وفق قواعد السلامة المهنية الصارمة مركزا في غينيا كوناكري تم فيه عزل مصابين بوباء "إيبولا" خلال فترة انتشاره في إفريقيا، وفي اليوم التالي استقبلني الرئيس ألفا كوندى مع رئيس البنك الإسلامي للتنمية وكان سعيدا بتغطية العربية لجهود بلاده في مواجهة الوباء وبشيك قيمته مليون دولار تبرعت به السعودية لمساعدة شعب غينيا في صراعه مع المرض.

خلال ساعات ليل كاد يتمادى سرمدا لطوله في مركز الدرك تذكرت بعض تفاصيل ليلة أخرى قاسية من شتاء سنة 2000 في معبر راس اجدير على الحدود التونسية الليبية.

انتظرت ترخيصا خاصا لم يتوفر قبل العاشرة صباحا وهو تأشيرة دخول أي صحفي إلى ليبيا في زمن القذافي.

مهمتي تغطية مؤتمر صحفي للزعيم الليبي الراحل غداة اتفاق تاريخي لحل مشكلة "لوكربي".

كنت طالبا في سنتي الأخيرة بمعهد الصحافة في الجامعة التونسية ومتعاونا مع صحيفة "الوطن" السعودية.

بعد أحد عشر عاما مررت بحواجز نفس المعبر دون حتى ختم جواز السفر في سيارة تويوتا "هيليكس" مسرعة يقودها فتى يافع من ثوار الزنتان لا يلوي على شيء!

منذ ذلك التاريخ وقعت متغيرات وأحداث كثيرة تغير معها العالم العربي وما بعد خطب "كورونا" العظيم سيكون مختلفا أيضا وندوبه ستبقى لعقود.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة