عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

كورونا واقتصاد عالمي جديد

لا يزال فيروس كورونا يضرب بقوة حول العالم شرقاً وغرباً، وإن كان من لطف الله، أن نسبته في عالمنا العربي والشرق أوسطي، أقل بكثير من ذاك الهول الذي تجري به المقادير في كل من القارة الأوروبية، أو الولايات المتحدة الأمريكية.

على الأوراق سالت أخبار كثيرة فيما خص الأزمة وماهيتها، والفيروس وخلفياته، والجميع يسابق الريح في التنظير إلى إشكالية كورونا من جانب طبي، وهذا كله أمر جيد، لا غبار عليه .

غير أن واقع حال الدراسات الاستشرافية يجعلنا نتخوف من قادم الأيام من منطلق اقتصادي واجتماعي، وربما أمني معا، فهناك ومن اسف هزات ارتدادية، سوف تصيب العالم بعد أن يقضي على الفيروس.

ردة الفعل الأولى والمخيفة تتبدى في الآثار الاقتصادية الحادثة لا محالة، فقد ضرب كورونا عجلة الاقتصاد العالمي، إلى حد يتوقع معه انهيار اقتصادات دول برمتها، لا سيما في أوروبا، مثل إيطاليا أو إسبانيا، وقد كان الجميع يتوقع حالة من حالات الركود في 2020 ليأتي كورونا ويجعل من الركود الذي كان محتملا طيفا خفيفا ، مقارنة بما يمكن أن تؤول إليه الأمور. على أن السؤال: "هل معنى ذلك الاستسلام أمام هذا الغازي المتوحش الذي أهلك الزرع والضرع؟
يمكن القطع بأن المملكة العربية السعودية ومن غير مغالاة، قد أخذت بيد العالم سريعا جدا، من خلال الدعوة الى الاجتماع الاستثنائي لقمة العشرين، وما رشح عنه من مقررات تساعد دول العالم، لا سيما الضعيفة والنامية منها، على العودة إلى مسارات ومساقات التعافي والشفاء، وفي المقدمة منها تكريس خمسة تريليونات دولار، لهذا الغرض.

أثبتت أزمة كورونا أن الاقتصاد العالمي وآليات السوق الحر والتوجهات الاقتصادية النيوليبرالية، باتت جميعها في حاجة إلى مراجعة جذرية، مراجعة تتوخى صالح ومصالح جميع البشر ، من غير تمايز طبقي او عرقي ، فقد ضربت الجائحة الجميع شرقا وغربا ، واذ هي تصيب الانسانية برمتها ، اكتشف الجميع ان العالم بالفعل اسرة واحدة تتداعى إلى من ينقذها ، فراينا المساعدات الصينية والروسية تتسابق الى أوروبا لاستنقاذها ، وتاليا شاهد العالم مساعدات طبية روسية تحط على ارض الولايات المتحدة الأمريكية.

المشهد في جوهره يقفز على المساعدات في صورتها المادية ، الى النظرية الرأسمالية من جذورها ، ومن ثم التساؤل ما الخطأ، وكيف للنظام الصحي الكوبي على سبيل المثال ان يتفوق على نظيره الامريكي ، وقد صفق الإيطاليون طويلا جدا للأطباء الكوبيين الذين مضوا لإسعاف الضحايا في الدولة سليلة الإمبراطورية الرومانية.

أثار وتبعات كورونا على الاقتصاد العالمي سوف تتجلى بعد انقشاع الغمة على العديد من التوجهات الحياتية ، فقد استغرقت الانسانية في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية في نموذج اقتصادي استهلاكي مزعج ، نموذج حقر من الانسانية ، سواء من خلال الشيوعية التي سحقت ومحقت كرامة الإنسان ، أو الرأسمالية التي جعلت منه ترس في ماكينة انتاج عملاقة، تعمل لصالح الأوليجاركيات المحلية والدولية ، وكلاهما تجمعهما خيوط وخطوط السوق الحر .
اكتشف الجميع خلال الشهرين الماضيين ان الانسانية أخطأت كثيرا ، فقد تهيأت للحرب ومرادفها الموت ، ونست او تناست الحياة ، ومؤداها الصحة وسلامة الجنس البشري.

أنفقت الدول العظمى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تريليونات الدولارات على التسليح ، ولا تزال تفعل ، واكتشفت عند نقطة زمنية معينة انها قد تضحى برمتها فريسة لكائن غير مرئي ، يمثل العدو الحقيقي ، وهنا فشلت حاملات الطائرات والغواصات النووية ، عطفا على الصواريخ العابرة للقارات ، عن تخليص الخليقة من براثن كورونا.

الأفكار محركات الإنسانية ، وكورونا استولدت أفكارا حقيقية عن الاستثمار والاقتصاد التضامني الانساني ، بدءا من زراعة الأرض وفلاحتها، وإنتاج ما تحتاجه الأمم من الغذاء والدواء والكساء ، بأكثر من ادوات مارس اله الحرب.

مثير جدا شان أوربا وأمريكا بنوع خاص ،وما اعترى النموذج الصحي هناك ، وولد اسئلة حكما سوف تستدعي اجابات حاسمة وحازمة منهم انفسهم لاحقا ، فكيف لإمبراطورية مثل الولايات المتحدة تقع سريعا في فخ هذا الفيروس ، ولماذا انهارت حصون الوقاية مرة واحدة.

لقد رأى العالم مشهدا لن ينسى، أطباء وممرضين وممرضات في أحد المشافي الأمريكية ، يرتدون أكياس القمامة، لعدم توافر البديل الطبي الأصلي ، وكان السؤال أي مصير ينتظر أمريكا في ظل انحرافات اقتصادية وانجرافات رأسمالية على هذا النحو.

في زمن كورونا قامت المملكة العربية السعودية بمبادرة وضعت العالم أمام حقائق الأمور ، ولعل أفضل ما خرج عن تلك المبادرة الدعوة إلى نموذج اقتصاد الابتكار، أي البحث عن سبل خارجة عن المألوف، بهدف عبور أزمنة المحنة المالية بأقل ما يمكن.

على العالم أن يعي أن الخسائر الإنسانية والاجتماعية سوف تضحى هائلة إن لم تكن هناك خطوات استشرافية أولية لما بعد كورونا، مع الأمل أن لا يطول أوانها على الأرض.

تبعات كورونا يمكن أن تكون مسربا لمزيد من الأفكار المتطرفة، والتي تخلط ما هو سياسي، بما هو اقتصادي، وعقائدي، وهنا سيكون من المقطوع به ارتفاع أصوات ترى أن ما جرى هو نقمة من الخالق على خليقته، ما يؤدي إلى حواضن إرهابية جديدة.

الخلاصة كورونا تفتح للبشر أبواب اقتصاد تضامني إنساني جديد، فهل من يلتقط الفرصة؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات