هذا وقت المبادرات الصغيرة

زياد بهاء الدين

نشر في: آخر تحديث:

لأننى- مثل غيرى- أقضى وقتا طويلًا نسبيًا هذه الأيام فى متابعة ما يذاع إعلاميا وما يُكتب على صفحات التواصل الاجتماعى، فيستوقفنى طوفان التعليقات التى تقدم أفكارا ومقترحات كبيرة وحاسمة لمواجهة فيروس «كورونا»، صحيا واقتصاديا.

هذا تعبير جميل عن حماسنا لإيجاد حل حاسم للخروج بالوطن من هذه المحنة بأقل الخسائر وفى أسرع وقت، وعن أملنا فى أن تكون هناك فكرة جديدة أو حل سحرى يزيح عنا هذا الكابوس. ولكن تجربة العالم تؤكد أنه لا يوجد حتى الآن مثل هذا الحل السحرى، وأن الموضوع طويل وصعب وتكلفته باهظة. وبما أن لدينا من العلماء والمتخصصين ما يكفى للتعليق على تطور الفيروس وكيفية الوقاية منه، وأطباء يقومون بواجبهم بكل إخلاص وتفانٍ، وحكومة تدير الأزمة بجدية وشفافية، فلم لا نترك لكل منهم ساحته وننشغل بأشياء مفيدة؟

والمفيد فى هذه اللحظة هو أن يضع كل منا طاقته وجهده ويعمل تفكيره فى مبادرات صغيرة تؤثر إيجابيا فى محيط محدود حوله، قد لا يتجاوز الأسرة، أو العمارة، أو الجيران، أو أهل القرية، أو المستوصف القريب، أو الزملاء فى العمل، أو فئة محددة ممن يحتاجون المساعدة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة المحدقة بنا.

الواقع أننا لا نعلم إن كنا تجاوزنا المرحلة الحرجة من انتشار الفيروس أم لا نزال متجهين نحوها، وقد صرحت الحكومة بأن الأسبوعين القادمين هما الحاسمان فى تحديد مصيرنا. والواقع أيضا، مع كل الحماس والإخلاص الذى أبداه الجميع فى الأسابيع الأخيرة، أن مصر بلد محدود الموارد وضعيف الإمكانات الصحية مقارنة بالدول الكبرى التى عصف بها زلزال الفيروس.

لذلك، وفى ظل هذه الظروف القلقة وما قد يواجهنا من تحديات صحية واقتصادية، فإن إمكانات الدولة لن تقدر على إدارة الأزمة وحدها ولا تحمل تبعاتها بالكامل ما لم تتضافر جهود المجتمع ويتضامن الناس فى تقديم العون والجهد والمال والمشاعر الطيبة تجاه الآخرين.

حديثى هنا بالطبع موجه إلى من كانوا مثلى، ليسوا فى موقع تنفيذى أو طبى ويرغبون فى مساعدة البلد والناس:

دعونا لا نبحث جميعا عن حلول كبيرة وحاسمة، فهذا ليس وقته، ولا هى مهمتنا، ولا فائدة ستتحقق لمن يحتاجون الدعم والمساندة لو قضينا وقتنا فى النقاش حول الأدوية الجديدة، والإعفاءات الضريبية، والمقارنة بين أنواع الكمامات المصرح باستيرادها. هذا وقت العمل، ووقت المساعدة، ووقت تفكير كل من لديه الإمكانات فى كيفية مساعدة المحيط الصغير الأقرب إليه أو الذى يقدر على التأثير فيه بسرعة وسهولة، بلا تعقيد ولا تردد.

بمقدور كل واحد وواحدة منا أن يساعد جيرانه أو يساهم فى نظافة عمارته وشارعه، وبمقدورنا أن نساهم بمال قليل لدعم من كانوا يقدمون لنا خدمات يومية وانقطع مصدر رزقهم، وبمقدور من كانوا من أصول ريفية أن يتصلوا بأقاربهم فى القرى ويكونوا مجموعات صغيرة لدعمهم، وبمقدور من لديه اتصال بدائرة معارف واسعة أن يحفزهم على التبرع لشراء جهاز تحتاجه المستشفى القريبة منه، وبمقدور من لا يعرف سبيلا لذلك أن يسأل غيره، وبمقدور أصحاب الأعمال أن يجتهدوا لسداد مرتبات عمالهم لأطول فترة ممكنة حتى من كانوا بعقود مؤقتة، وبمقدور من ليس بيده أيا ممن تقدم أن يقضى بعض الوقت للسؤال تليفونيا عمن يحتاجون بعض المواساة والدعم المعنوى.

الأيام والأسابيع المقبلة سوف تحتاج منا جميعا لقوة وصلابة واستعداد لمساعدة الآخرين، ونصيحتى أن نتواضع جميعا فى التفكير والنصح ونوجه طاقتنا للعمل وللمساهمة من خلال مبادرات صغيرة ومفيدة ولو فى عدد قليل من الناس لأن مجموع هذه المبادرات وزخمها سوف يكون كبيرا وربما حاسما، وهو على أى حال أفضل ما يمكن أن نقدمه الآن لأهلنا ولبلدنا.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.