عاجل

البث المباشر

رجال الدين ليسوا نصابين..!

أعادت «فزعة الكويت» لدعم مكافحة وباء «كورونا» موضوع الجمعيات السياسية الدينية ذات النفوذ المالي إلى الواجهة مجدداً، فلا أعلم لماذا كلما طرح أمر تلك الجمعيات وضرورة مراقبة أنشطتها وأعمالها وأموالها ووضع معايير وضوابط للتبرع أو الصرف، تعالت وزمرت الأصوات وخرجت الاتهامات المعلبة من زعمائهم وكوادرهم بأن هناك حربا على العمل الخيري تقودها مجموعة من العلمانيين والليبراليين، بل إن أحد أعضاء مجلس الأمة المحسوبين على جمعياتهم ذهب أبعد من ذلك، وهو الذي كان يطالب بإطلاق حرية الرأي والتعبير وتعديل قوانين المطبوعات والمرئي والمسموع والجرائم الإلكترونية «الجائرة» - بحسب زعمه - خرج على تويتر بتغريدة غاضباً محرضاً الحكومة على تقديم كل من ينتقد عمل الجمعيات الخيرية إلى القضاء بتهمة ضرب الوحدة الوطنية! وكأن تلك الجمعيات منزهة عن النقد ، والهدف بالمجمل تخويف الناس وإرهابهم للتوقف عن ذمهم، والسؤال لماذا يمتعض البعض ويهدد كلما تحدث أو طالب أحد بمراقبة أنشطتهم، فالقاعدة الشعبية تقول: «لا تبوق ولا تخاف»؟ بداية، لست علمانياً ولا ليبرالياً، بل مواطن وغيري الكثيرون حريصون على التأكيد على أن العمل الخيري يدور وجودا وعدما مع نشأة الكويت، فقد جُبل أهل الكويت على عمل الخير في بناء المساجد والأوقاف وكفالة الأيتام وغيرها من الأعمال، ما يعني بالضرورة أن عمل الخير ليس مسجلاً كبراءة اختراع، ولا يوجد حق حصري ومكتسب لتلك الجمعيات، وتجب التفرقة بين الجمعيات الخيرية الحقيقية والجمعيات الخيرية الحزبية السياسية المزيفة التي تتلحف بستار الدين لتحقيق برامجها الحزبية داخل وخارج الكويت وذلك باعتراف إحدى جمعياتهم (الأم) بأنهم يقومون بدعم المرشحين من جماعتهم للوصول لمجلس الأمة، ومن الأهمية التفرقة أيضاً من حيث المبدأ بين العمل الخيري ومقاصده وبين القائمين عليه فهم في النهاية بشر خطاؤون، ونحن عندما نتحدث عن العمل الخيري فإننا نتحدث عن ضرورة الرقابة والتنظيم وليس المنع والتقويض والإلغاء وذلك حتى لا يخرج ذلك العمل عن غاياته وأهدافه السامية، فقد ظهرت تقارير أممية واستخباراتية عديدة تتحدث عن دعم شخصيات دينية وجمعيات حزبية كويتية لتنظيمات إرهابية، فضلاً عن تقارير أمنية عن عمليات غسل للأموال وتمويل للسلاح، وهذا بلا ريب يؤثر على سمعة الكويت ومكانتها دولياً، وبالرغم من كل ذلك نجد الحكومة هادئة كهدوء الأموات، ما يقطع بحجم التحالف ومتانة العلاقة بينهما. أعتقد جازماً بأنه يجب وضع حد لهذه الفوضى الحاصلة حالياً وإعادة تنظيم وترتيب العمل الخيري برمته وبجناحيه «السني والجعفري» ليبقى محصوراً تحت مظلة الدولة بإنشاء هيئة لتلقي التبرعات والخيرات وتكون تحت بصر وبصيرة الجهات والمؤسسات الرقابية الحكومية والخاصة، فقد كشفت «فزعة الكويت» عن كم هائل من الجمعيات واللجان الخيرية لا نعلم حجم ما تملكه من أموال ومن هم القائمون عليها وما هو تاريخهم أو سيرتهم الذاتية، وما إذا قد صدرت بحقهم أحكام قضائية متعلقة بالذمة المالية وهنا مكمن الخطورة على الدولة، والسؤال: هل أصبح العمل الخيري سوقا رائجة للكسب والثراء؟ لا سيما بعد ما افتضح أنه يتم اقتطاع نسبة مئوية من المبالغ المحصلة لمصلحة اللجان، ما أوقع جمهور المتبرعين في شك وحيرة ودهشة، فالمفهوم لدى الناس أن العمل الخيري يهدف إلى الخير وليس تحقيق الربح والفائدة. أخيراً أقول: السذج والبسطاء كُثر، والكعكة كبيرة، والرقابة ضائعة، لذا يجب ألا يُعطى كل من هب ودب تصريح وحق إنشاء جمعية خيرية، وأخشى أن يصبح النصابون والمرتشون والسارقون، غدا، رجال دين، وحتى لا تصدق مقولة الفاجومي أحمد فؤاد نجم: رجال الدين ليسوا نصابين لكن النصابين أصبحوا رجال دين!

* نقلا عن "القبس"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات