سنتأقلم.. مهما طالت الأزمة، ومهما كان الثمن

ريم بو قمرة

ريم بو قمرة

نشر في: آخر تحديث:

غريبة هي قدرة الإنسان على التأقلم، على التعود، على تكييف نفسه وحياته وتطلعاته مع الظروف والمتغيرات، كورونا أكدت من جديد كما أثبتت من قبلها مختلف الأزمات والحروب أن الإنسان يتغير، وأنه كما قال ديستوفسكي "يستطيع أن يتعود على أي شيء".

اليوم نصف البشرية تحت الحجر الصحي، من كان يتوقع حدوث ذلك يوماً، أن تعلَّق الفعاليات الرياضية والفنية، أن يجتمع زعماء الدول افتراضياً عبر شاشات فيديو، أن تلتزم الأغلبية بالبقاء في البيت، وأن يتغير أسلوب حياة المجموعة؛ عمل من المنزل والمطلوب نفس المردود بذات الإتقان، دراسة عن بعد لأطفال كانت المدرسة تمثل لهم إطار الالتزام والجدية، يجد الطفل نفسه اليوم محاطاً بألعابه في غرفة نومه ومدعواً إلى التركيز، والأمر ليس هيناً بالنسبة للأطفال أو حتى للأكبر سناً، أن تنزعه من عالمه الدراسي أو الوظيفي لتطلب منه الإنجاز نفسه في بيئة ثانية، وربما الأصعب من مهمة الأطفال هو دور الأولياء في الإشراف على كل هذا بشكل شبه عادي ما جعل البعض يتمنى عودة اللحظات التي كان فيها يتذمر من أيام نهاية الأسبوع وضجيج الأولاد في البيت، حتى أصبحت كل الأيام "نهاية أسبوع" ومعها وظيفة إضافية يجب أن تنجز، ولكن بالرغم من كل الضغوط بدأوا يتعودون على هذا الأسلوب الجديد في الحياة.

الكل يتعود في فترة ما من حياته، الكل يتكيف مع الظروف ولو بقليل من الامتعاض في البداية، والكثير من التردد لكن الظروف تفرض نفسها، من أصعبها ربما تلك المتعلقة بالقرارات المصيرية والأزمات التي تغير مجرى الحياة كالحروب أو فقدان عزيز أو مرض مفاجئ أو لجوء مكره عليه، إلى أبسطها المتعلقة مثلاً بتغيير وظيفة أو الزواج والعيش مع شريك ووجوب تقاسم اليوميات والقرارات الكبرى معه، ولكن في مقابل كل هذا إيجابيات ترافق هاته المتغيرات؛ تتعايش مع الآخر فتكتشف جوانب تستلطفها في شخصيتك، تغير مكان إقامتك بمحض إرادتك، أو تلجأ مضطراً هارباً من حرب فيلزمك المجتمع الجديد بتعلم لغة مثلاً لم تنتبه لها يوماً تجد نفسك تتقنها بعد فترة، صحيح أن الحروب تهجر، تستقطب، وأيضاً تغير التركيبة المجتمعية فتختلط الثقافات وتغتني المجتمعات ويولد الإبداع حتى وإن هذه الحروب نفسها قتلت ويتمت ورملت ولكن تجد الإنسان يلملم نفسه ويبحث عن أي شيء يتمسك به فيخاطر ويجرب وفي النهاية يتأقلم.

الأوبئة على مر التاريخ من الطاعون بمختلف مراحله وتسمياته إلى الجدري إلى الكوليرا إلى السارس مروراً بالأنفلونزا الإسبانية وأنفلونزا الخنازير وصولاً إلى كورونا المستجد كلها غيرت ملامح الحياة ولو جزئياً، ودفعت البشر ليغيروا أساليبهم في التعامل مع محيطهم، مع عاداتهم المرتبطة بالتغذية أو النظافة، وكذلك مع أساليب العلاج والوقاية.. هذه المحطات التاريخية دفعت العلماء لتطوير لقاحاتهم باستخدام مكونات بيولوجية، بكتيريا أو فيروس، يحوّرونها لينتجوا منها شبيهاً أقل خطورة ليمثل الوسيط الذي سيهيئ الجسم السليم وينبهه للاستعداد لخطر ما، عندها يحتضن الجسم المكون الجديد، يسمح له بالتفاعل ويتأقلم معه فيحفز بالتالي مناعة الجسم ويشجعها على إنتاج المضادات للوقاية، حتى أصغر الخلايا تتأقلم.

كل منا قادر أن يتأقلم بغض النظر عن عمره أو جنسه أو مستواه الاجتماعي أو الثقافي أو حتى الأخلاقي، في لحظة فارقة الكل قادر على التأقلم؛ حتى المجرم، اللص، الفاسد، اليوم كلهم طوعوا أعمالهم بما يناسب هذه المرحلة، فابتكروا أساليب جديدة لإجرامهم، صحيح أن نسب عمليات السرقة أو التحرش أو جرائم العنف قلت كما لاحظت ذلك مؤسسات أمنية في دول أوروبية عديدة كإسبانيا التي لاحظت فيها الشرطة تراجعاً بنسبة 50% من عمليات السرقة مقارنة بنفس هذه الفترة من السنة الماضية، وتعود الأسباب للإجراءات الاحترازية، ومنها الحجر المنزلي، ولكنّ أنواعاً أخرى من الجرائم ظهرت أو تكاثرت كالجرائم الإلكترونية التي تضاعفت في زمن كورونا بحسب اليوروبول، حيث استغلت الشبكات الإجرامية لهفة البعض على اقتناء المعقمات أو الكمامات فباعتهم مواد مزيفة عرضت حياتهم للخطر، أو الشبكات التي تتصيد من هم أقل وعياً لجرّهم إلى الإعلان عن معلومات سرية كأرقام حساباتهم البنكية بدعوى ضرورة التبرع لمؤسسات خيرية تبين في النهاية أنها مؤسسات مزيفة وهذا ما حذرت منه حتى منظمة الصحة العالمية مؤخراً.

هذه العصابات المنظمة تمكنت في وقت وجيز من تكييف أساليبها وبسرعة، فبعد إخلاء الشوارع وإغلاق المحلات وتطبيق إجراءات مشددة على الحدود توجهت هذه العصابات إلى الإنترنت.

إذاً الأزمات قادرة أن تظهر أحسن ما فينا وأسوأه أيضاً، وفي كل الحالات ولو اختلف الأسلوب وكذلك الهدف تبقى كلها محاولات لإيجاد سبيل جديد للتكيف مع وضع غير مألوف، وبالتالي للتأقلم بهدف البقاء، فكما يقول تشالز داروين "ليس أقوى المجموعة هو الذي يبقى ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع المتغيرات"، فغريزة الإنسان هي البقاء والتمسك بالحياة وعليه سيتأقلم، سنتأقلم كلنا مهما ساءت الأمور أو طالت الأزمة، ومهما كان الثمن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.