يريدون موت «أوبك» وهي المنقذ من «كورونا»

وائل مهدي

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

أنا لا أصدق أني في عام 2020، ونحن على أعتاب اجتماع لكبار المنتجين في العالم سيُعقد قريباً (هناك محاولات لجعله يوم الاثنين 6 أبريل- نيسان) دعت إليه المملكة تلبيةً لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لبحث سبل إعادة التوزان إلى السوق، وما زال هناك الكثير من السياسيين في الولايات المتحدة الذين يتكلمون عن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ويكيلون لها العداء كأننا في عام 1974 ميلادية.
وقبل الحديث عن الاجتماع والتجهيزات له والسيناريوهات المحتملة، خصوصاً سيناريو تخفيض 10 ملايين برميل الذي أعلنه ترمب، أودّ أن أعبر عن استيائي من مواقف السياسيين الأميركيين مؤخراً ولا أصدق وأنا أرى بعيني حجم التناقض الذي يصدر من هؤلاء والذين كانوا يهاجمون «أوبك» بحجة أنها تتلاعب في الأسعار، وهم الآن يريدون اللجوء إليها لرفع الأسعار.
وقرأت كما قرأ غيري الخطابات التي يتم إرسالها إليّ من أعضاء مجلس الشيوخ إلى وزير الخارجية مايك بومبيو، والتي تنادي بالحفاظ على المصالح القومية الأميركية وهيمنة الولايات المتحدة في سوق الطاقة واستقلاليتها التي وصلت لها بفضل الشركات الأميركية، واتخاذ إجراءات ضد السعودية وروسيا والمنتجين في «أوبك» بسبب هبوط أسعار النفط.
وفي خطاب مرسل بتاريخ 18 مارس (آذار) يريدون من وزير الخارجية أن يقنع حلفاء أميركا بدعم سوق الطاقة أو فرض حظر على واردات أميركا من النفط السعودي والروسي والعراقي وغيرها من دول «أوبك». وفي خطاب مرسل بتاريخ 25 مارس يقولون إن على وزير الخارجية إقناع السعودية بأن تنفصل عن «أوبك» وتنضم إلى الولايات المتحدة في تحالف يقوم على أسس السوق الحرة، وضمها إليها وإبعادها عن الاستثمارات المشتركة مع روسيا في الطاقة. وفي نفس الخطاب يريدون أن تتخذ الولايات المتحدة إجراءات ضد السعودية وباقي المنتجين تناقض مفاهيم السوق الحرة؛ مثل فرض رسوم حمائية وحظر فتح تحقيقات مع المنتجين.
كل هذا للأسف تناقُض واضح وصريح لقوانين التجارة العالمية، ولمبادئ الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة التي ظل الساسة الأميركيون ينادون بها لسنوات طويلة وأشبعوها استخداماً. ومعركتهم قانونياً خاسرة، فالسعودية وباقي دول «أوبك» لا تبيع النفط في السوق الأميركية بأقل من سعر تكلفة إنتاجه لديها، ولهذا لا يمكن تطبيق قوانين مكافحة الإغراق عليها.
ولو نظرنا إلى حجم واردات أميركا الآن من النفط السعودي، فمنذ يوليو (تموز) العام الماضي حتى يناير (كانون الثاني) هذا العام وهي تحت نصف مليون برميل، ومنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018 وهي تحت المليون برميل بصورة عامة. وعلى كل حال فإن غالبية صادرات النفط السعودي إلى أميركا تذهب إلى مصفاة شركة «أرامكو السعودية» هناك وهي مصفاة «موتيفا» في بورت أرثر في تكساس، والتي تعد أكبر مصفاة في الولايات المتحدة. وحتى هذه المصفاة يريد الساسة الأميركيون استهدافها وحظر استيراد النفط لها وإجبارها على شراء النفط من السوق المحلية.
الجميل هو أن هناك عقلاء في الولايات المتحدة يفهمون عمق السوق وأهمية الاستيراد والتصدير ويفهمون أن ما يحدث يتطلب تعاوناً من الولايات المتحدة أو عدم فرض عقوبات تعيق حرية تنقل النفط، وهؤلاء العقلاء هم ممثلو الصناعة مثل معهد البترول الأميركي (API) أو هيئة السكك الحديدية في تكساس (TRC). أما الشركات النفطية والسياسيون، ففي عالم آخر، وبفهم قاصر لأساسيات السوق والتغيرات التي طرأت عليه، ولا يرون أن «أوبك» لسنوات هي من ساعد كل الشركات الضعيفة والهشة ذات التكلفة العالية على البقاء في السوق.
إن ما تفعله السعودية و«أوبك» هو تصرف مشروع للحفاظ على حصصها السوقية في وقت تراجع فيه الطلب وغاب فيه التعاون الدولي من أجل إعادة استقرار السوق.
إن الطلب على النفط في هبوط لا محالة بسبب توقف عدد هائل من سكان العالم عن التنقل جواً وبراً وبحراً فيما ظلت الحركة التجارية متدفقة، وتوقعات أرقام هبوط هذا الطلب سوف تكون في حدود 20 إلى 35 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من العام الجاري. وبالأمس قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية التركي فاتح بيرول، إن المخزونات ستشهد حركة بناء بنحو 15 مليون برميل يومياً، ولهذا فإن تخفيض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يومياً، كما اقترح ترمب، لن يحل الأزمة.
وفي الوقت ذاته لا يريد المنتجون خارج «أوبك» تخفيض إنتاجهم، وهناك دول مثل البرازيل والولايات المتحدة وكندا تستفيد من خفض الأسعار، وبالأمس وسط ما يحدث أعلنت «بتروبراس» البرازيلية و«إكسون موبيل» عن اكتشاف حقل بحري ضخم في البرازيل يساوي حجمه أقل بقليل من حجم كامل احتياطي النرويج، وذكرت الشركة أنها بإمكانها الإنتاج منه في سعر بحدود 21 إلى 25 دولاراً للبرميل.
أمام هذه الحقائق، وافقت السعودية على الطلب إلى الاجتماع ولكنها قالت في إعلانها بدقة إنها تبحث عن اتفاق عادل لإعادة توازن السوق. وحتى لحظة كتابة هذه السطور يتباحث رئيسا روسيا وأميركا مع الشركات هناك إمكانية تخفيض الإنتاج. والروس حتى الآن يقولون إنه لا يمكن المشاركة من دون خفض أميركي وسعودي، وقد لا يحضرون الاجتماع، وهذا يعني فشله... والشركات الأميركية تخشى الدخول في أي تحالف دولي من ناحية قانونية. ونشرت «وول ستريت جورنال» سيناريو لتقسيم 10 ملايين برميل يومياً، يشمل 1.5 مليون من روسيا، و1.5 مليون من دول الخليج، ومليونين من أميركا وكندا والبرازيل (500 ألف من تكساس وحدها)، والسعودية تخفض 3 ملايين برميل.
وإذا تمكنت الدول من حل قضاياها السياسية والقانونية، فإن هذا سيناريو معقول حتى وإن كان قد لا يعيد للسوق الاستقرار. والاتفاق عليه يتطلب متابعة الحصص ومراقبة تطورات العرض والطلب حتى الربع الثالث على الأقل، وتنسيقاً عالياً بهدف توازن السوق فقط، ومن ثم ترك السوق لتحديد السعر ولا يجب استهداف سعر محدد. وأعجبني حديث راين ستون رئيس هيئة سكك حديد تكساس (والتي ستناقش تخفيض إنتاج تكساس يوم 14 أبريل)، حيث قال إن المخزونات ستمتلئ خلال 72 يوماً وسيضطر الجميع للتخفيض... والسؤال: هل سيكون الخفض ردة فعل أم مخطط له؟

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.