عاجل

البث المباشر

حلمي النمنم

كاتب مصري

كاتب مصري

المتهتك والمتنسك

لفتت أزمة كورونا نظر الكثيرين إلى جوهر الدين وهدفه النهائى، وهو صيانة حياة الناس والحرص على صحتهم وسلامتهم «روحًا وجسدًا» ولم يكن ذلك الهدف خافيًا ولا هو سر، بل أمر معروف، لكن مشاغل الحياة وهمومها، قد تأخذ الناس بعيدًا، وهناك من لا يشغلهم الاهتمام بالجوهر فى أى شىء، ولذا فإن بعض هؤلاء تصوروا أن تعليق الصلوات فى المساجد والكنائس يمس الدين ذاته ويهدد وجوده، التعليق والإغلاق لدور العبادة لا يمس جوهر الدين، ولكنه يمس بعض الممارسات الدينية وبعض العبادات التى تبين أن ممارستها على النحو الجماعى، فى ظل الاختلاط والتلامس بين الأفراد يمكن أن تكون مصدر خطر على صحة وحياة المصلين، وقد حاول هؤلاء كسر هذا التعليق وعدم الانصياع لمقتضيات الوقاية الصحية، لكن فى النهاية تم تنفيذ قرارات الحكومة وقرارات المؤسسة الدينية الإسلامية والمسيحية، ولعل هذا كان أحد الأسباب التى جعلت الإصابات بيننا، قياسًا على تعداد السكان ضئيلة للغاية، وندعو الله أن يستمر الأمر على هذا النحو إلى أن نعبر تلك الأزمة. الأصل فى الدين الإيمان، والإيمان هو ما وقر أو استقر فى القلب وصدقه العمل، أى أن الأساس هو ما استقر فى القلب- يمكن هنا أن نقول العقل- من اقتناع، ثم يكون العمل أو الفعل متسقًا مع ذلك وما يمارسه يوميًا فى الحياة العملية، والحق أنه مع اتساع نطاق الدين وخروجه من الحيز الفردى إلى الحيز الاجتماعى العام يتحول فى جانب منه إلى ممارسات وأشكال اجتماعية، تصبح مع الوقت عادات ثابتة يتصور بعضنا أنها صارت الدين ذاته، وقد يتراجع الجوهر والمضمون العميق والروحى والنفسى للدين، وقد كشفت أزمة كورونا عن التدين الشكلى والمظهرى لدى البعض وكشفت كذلك ما أطلق عليه فى بعض الأدبيات والدراسات الاجتماعية «التدين الزائف» وهذه كلها ليست جديدة تمامًا علينا، كانت موجودة فى كثير من الأوقات، وهى موجودة فى معظم المجتمعات وبين المنتمين للديانات المختلفة، وقد عالجها بتوسع علم الاجتماع الدينى. هذه الأزمة كشفت بجلاء عما يمكن أن نسميه «التدين الشرير» وهذا يتمثل فى أفراد ومجموعات تدعى التدين ولا تحمل غير الشر للآخرين، طوال الوقت الشر يسيطر عليهم، خيالًا وفكرا وفعلا وقولا، أشرار من البداية إلى النهاية، ويتمثل فى تلك الجماعة التى طلبت إلى أتباعها فى مصر إذا أصاب أحدهم الفيروس أن يعمل ما وسعه ذلك على نشره بين الناس على نطاق واسع، بأن يذهب المصاب ويقف وسط الآخرين ويعطس عامدًا فى وجوههم ليصابوا بالمرض. نعرف أن تمنى الشر للآخرين أمر مذموم، ومنهى عنه دينيًا، الحديث النبوى «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، تمنى الشر والدعوة إليه مسألة مذمومة ومدانة أيضا أخلاقيًا وإنسانيًا. ولو أن الأمر يقف عند حدود التمنى لقلنا إننا بإزاء أناس ليسوا أسوياء، ويجدر أن يعالجوا نفسيًا ويدخلوا المصحات النفسية والعقلية، لكنهم يتجاوزون حدود التمنى إلى مجال الفعل والسلوك، ظهر الخميس قبل الماضى- 9 إبريل- ضبطت أجهزة الأمن فى «المنصورة» عددا من أفراد هذه الجماعة قاموا بجمع كميات من المستلزمات الطبية اللازمة للوقاية من الفيروس مثل الكمامات الصحية والمواد المطهرة وغيرها، وقاموا بتخزينها، ولم يكن الهدف إعادة بيعها بأسعار مرتفعة كما حاول البعض من الانتهازيين لتحقيق مكسب سريع وخاطف فى عز الأزمة، لكنهم جمعوا كميات كبيرة، لتخزينها فقط وعدم استعمالها، كى يحدث نقص حاد بها فى المنطقة المحيطة، ويترتب على ذلك ظهور أزمة، بما يؤدى أن تظهر مؤسسات الدولة عاجزة عن توفير المطالب الصحية الضرورية، والأخطر أن الناس لا يجدون تلك الأدوات، بما يترتب عليه ازدياد معدلات الإصابة وانتشار الفيروس وموت المواطنين، هم أشرار قولا وفعلًا. روى عن الإمام على قوله «إنما أخشى عليكم من عالم متهتك وجاهل متنسك»، وهؤلاء عالمهم- إن كان فيهم عالم- متهتك وجاهلهم متنسك. أزمة كورونا وما فكروا فيه وحلموا به وما حاولوا القيام به، لم تكشف لنا جديدا عنهم ولا كشفت خبيئًا لنا، كل ما جرى أنها أكدت مرة أخرى وكشفت هؤلاء أمام من لم يكن يريد أن يصدق أو يحاول التعامى عن حقيقتهم وعما يقومون به. ويمكن أن نراجع كل ما قاموا به فى تاريخهم منذ ظهورهم سنة 1982، لن نجد إلا شرًا وتدينًا شريرًا منهم، اغتيال الخصوم مثل المستشار أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى، ومن قبلهما أحمد ماهر ثم سليم زكى حكمدار العاصمة، فضلا عن محاولة نسف محكمة مصر فى باب الخلق وحرق عدد من الشركات والمشروعات الاقتصادية وتدمير عدد من دور السينما وغيرها وغيرها، ومن لم يتمكنوا من اغتياله حاولوا اغتيال سمعته بسيل من الشائعات والأكاذيب، وكان هدفهم دائمًا إسقاط الدولة المصرية، أيًا كان النظام السياسى الذى يحكمها ملكيا أو جمهوريا، اشتراكيا أو انفتاحيا، هم ضد الجميع، إلا من سار وفق أيديولوجيتهم، وبلوروا ذلك كله فى مقولتهم أو نظريتهم سنة 2013 «نحكمكم أو نحرقكم»، وقد حاولوا الاثنين معًا، الغريب أنهم حين وصلوا إلى الحكم لم يتوقفوا عن الإحراق وإشعال الحرائق، عن تصور أن المجتمع المحروق أسهل فى السيطرة عليه والتحكم به.

الدين يقوم على حب الخير وتمنى الخير للآخرين والتعاطف مع الناس حتى لو اختلفنا معهم، ورفض الشر بكافة صوره وأشكاله، إنه انتصار للإنسان وللإنسانية، ونحن نستعيذ ليلًا ونهارًا وفى كل صلاة من الشيطان الذى هو رمز للشر المطلق والمجرد، والمؤكد أن هناك نفوسا شريرة حقودة تستغل الدين وتحاول أن تجعله ستارًا لأحقادها وغطاء لشرورها، وهؤلاء مصدر الأذى والكثير من الأزمات الكبرى عبر تاريخنا، وهم ما بين المتهتك والمتنسك. أزمة كورونا كشفت مجددًا هؤلاء، أمام الجميع فى الداخل وفى الخارج، لذا لا يجب أن نرهق أنفسنا أو نسمح لأحد بأن يرهقنا بلغو الحديث عن نوع من التصالح أو حتى التهادن معهم، هؤلاء أشرار قولًا وفعلًا فى ظاهرهم وباطنهم، ولا أمل فيهم ولا خير يرجى منهم. لقد كان غريبًا وسط الدعوات الشريرة التى يطلقها هؤلاء «المتهتكون والمتنسكون» لنشر المرض والذعر بين المصريين، أن تصدر دعوات هنا، تدعو للإفراج عن مسجونيهم، ولو أن الدعوة كانت بالإفراج عن المسجونين جميعًا، لكان ذلك مفهومًا لأسباب إنسانية، أما هؤلاء بالذات- دون غيرهم- رغم كل الإرهاب الذى قاموا به ورغم الأحكام القضائية، النهائية الباتة فغير مفهوم، ثم يأتى من يدعو إلى التصالح، ولا يطلب منهم أن يتوقفوا عن الشر وأن يعتذروا عن جرائمهم. لقد جربنا التصالح من قبل معهم عدة مرات، فعلها الملك فاروق سنة 1950، وفعلها عبدالناصر سنة 1964 وفعلها السادات بعد حرب أكتوبر مباشرة، وفعلها مبارك أيضًا وحاول المجتمع أن يتصالح معهم سنتى 2011 و2012، وفى كل مرة كان ينكشف وجههم الشرير.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات