عاجل

البث المباشر

الحبيب الأسود

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

عندما يحوّل أردوغان تركيا إلى جمهورية رعب

الجانب العقائدي الطاغي على النظام يعتبر أن الرئيس فوق النقد، وفي المقابل يجعل من بلاده منصة لإطلاق الحرب الإعلامية على الدول العربية الرافضة للإسلام السياسي.

حجبت سلطات أنقرة قبل يومين موقع النسخة التركية من صحيفة أنديبندنت البريطانية، وقبل ذلك طالبت النيابة العامة في تركيا بالسجن من عام وحتى عامين للصحافية هزال أوجاك التي كشفت شراء وزير الخزانة والمالية وصهر الرئيس رجب طيب أردوغان برات البيرق قطعة أرض بالمنطقة التي تشهد تنفيذ مشروع قناة إسطنبول، وبعد أن طالب النائب العام بمقاضاتها بتهمة الخيانة، غيّر المدعي العام فحوى مذكرة الادعاء إلى تهمة الإهانة، كون الصحافية أهانت شرف وكرامة البراق عندما كشفت أمره للرأي العام.
مثل هذه الأخبار لم تعد حدثا في جمهورية الرعب وسلطنة الصمت العثمانية، فالبلاد تحولت إلى سجن كبير منذ أن أمسك أردوغان بمقاليد الحكم المطلق فيها.

وفق تقرير العام 2019 لمنظمة “مراسلون بلا حدود” تحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2019، وهي بذلك واحدة من الدكتاتوريات الراسخة لا الناشئة، خصوصا وأن وراء الأرقام تكمن قصة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية واحتجاز العشرات من الصحافيين لشهور وأحيانا لسنوات، كما ورد في التقرير.

بعض المنظمات الدولية، ولأسباب لا تخلو من خلفيات السياسة والأيديولوجيا، تزعم أن الصين كانت الأولى عالميا في سجن الصحافيين خلال العام 2019 بدفعها 48 صحافيا إلى ما وراء القضبان، نحن نتحدث هنا عن بلد يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة، بينما وصل عدد الصحافيين المسجونين في تركيا في العام ذاته إلى 47 صحافيا، وهي البلد البالغ عدد سكانه 82 مليون نسمة، وبمقارنة بسيطة بين عدد السكان يبدو أن الصين تمثل جنة للحريات مقابل الواقع الموجود في تركيا.

في نهاية ديسمبر من عام 2019 أصدرت المحكمة أحكاما بالسجن على سبعة صحافيين وموظفين آخرين في جريدة “سوزوجو” المعارضة بتهمة مساعدة شبكة تقول أنقرة إنها العقل المدبر وراء محاولة انقلاب عام 2016، وفي نفس الشهر قضت محكمة تركية بحبس الصحافي بالجريدة مراد أغيرال، بتهمة نشر خبر عن مقتل ضابط تركي كبير بالعاصمة الليبية، بعد أن كانت أخلت سبيله في إطار القضية ذاتها قبل أيام.

وجاء ذلك بعد أن نشر أغيرال تقريرا عن تستر الحكومة التركية عن مقتل قيادات رفيعة المستوى من الجيش التركي خلال الاشتباكات في ليبيا، وقال إن الضابط أوكان ألتناي كان يعمل عقيدا في المخابرات العسكرية، قبل أن تتم إقالته منها على إثر الانقلاب الفاشل في العام 2016، وأنه قتل يوم 18 فبراير الماضي عندما استهدف الجيش الليبي شحنة للسلاح التركي المهرب لميليشيات الوفاق بميناء طرابلس التجاري.

كما أدى الكشف عن مقتل الضابط التركي في طرابلس إلى اعتقال ثلاثة صحافيين قد يواجهون عقوبة السجن 9 سنوات، حيث أصدرت محكمة في إسطنبول حكما بسجن باريش ترك أوغلو مدير موقع “أوضة تي.في” ورئيس تحرير الموقع باريش باهليفان ومراسلته هوليا كيلينتش، بعد نشر شريط فيديو لجنازة العقيد السابق في مخابرات الجيش التركي أوكان ألتناي الذي قتل في ميناء طرابلس، وتم دفنه في مسقط رأسه بمقاطعة مانيسا الغربية في ظل تعتيم كبير.
كما تم اعتقال الصحافيين آيدن كاسار وفرهات تشاليك من جريدة “يني ياشام”، ليتعرض بذلك صحافيون في أربع وسائل إعلامية هي “سوزوجو” وموقع “أوضة تي في” وصحيفة “يني شفق” وصحيفة “يني ياشام” لمضايقات أمنية، بسبب تناول أخبار عن سقوط ضباط أتراك في ليبيا.
السلطات التركية أغلقت أيضا 5 وكالات أنباء و62 صحيفة و19 مجلة و34 إذاعة و29 قناة تلفزيونية و29 دار نشر وتوزيع، وحظرت الوصول إلى 246 ألفا و825 موقعا إلكترونيا، بموجب مراسيم حالة الطوارئ عقب محاولة الانقلاب على أردوغان، كما ألغت السلطات التركية 620 بطاقة صحافية و34 بطاقة صحافية برلمانية وجوازات سفر بعض الصحافيين.
ولا يزال أكثر من 120 صحافيا محتجزين في سجون تركيا، وهو رقم قياسي عالمي، وفي الثاني من أبريل الجاري دعت منظمة العفو الدولية “أمنستي أنترناشيونال”، السلطات التركية إلى إطلاق سراح الصحافيين والحقوقيين والمعارضين السياسيين المحتجزين في السجون التركية، على خلفية تفشي فايروس كورونا المستجد.
يرفض أردوغان أن يتوجه الإعلام بأي انتقاد لسياساته، أو أن يكشف أي معلومة عن الفساد الذي ينخر البلاد، خاصة من قبل المقربين منه، فالجانب العقائدي الطاغي على النظام يعتبر أن الرئيس فوق النقد والمحاسبة، لكنه في المقابل يجعل من بلاده منصة لإطلاق الحرب الإعلامية المؤدلجة على الدول الأخرى وخاصة منها العربية الرافضة لمشروع الإسلام السياسي الذي يتبناه، ولنشر الأباطيل وفبركة الأخبار، وتمزيق النسيج الاجتماعي للدول، بل وحتى لتشريع الإرهاب عبر الفتاوى الصادرة عن قنوات فضائية ومواقع إلكترونية تبث من داخل تركيا.
وتبدو الحكومات والأحزاب والحركات والجمعيات والمنظمات ووسائل الإعلام العربية والأجنبية المرتبطة بالإسلام السياسي غير معنية البتة، بانتهاكات نظام أردوغان ضد حرية الصحافة والتعبير، وحتى عندما تتطرق إليها باحتشام تجد لها مبررات عدة، وعلى رأسها الادعاء بالتآمر الخارجي على النظام التركي، في محاولة للتغطية على قناعتها بأن أردوغان “السلطان المعصوم” من حقه أن يفعل ما يشاء طالما أنه مدعوم بالله والملائكة وجبرائيل كما زعم يوسف القرضاوي أو في إيحاء بأن الإسلام السياسي لا يدافع عن الحريات إلا إذا كانت في خدمة مصالحه، أما عندما تكشف عوراته فيصبح التخلص منها واجبا لضمان استمرار مشروعه.

* نقلا عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات