عاجل

البث المباشر

جمال أبو الحسن

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

هذا هو الأثر الأعمق للوباء العالمى!

الأزمات والنوائب، بطبيعة الأمور، شأنٌ عارض فى حياة الأفراد أو المجتمعات على حدٍ سواء. هى استثناء عن الوضع الطبيعى. غالبًا ما تنزل بالناس على غير توقع منهم فتضطرهم اضطرارًا للتعامل مع أوضاعٍ جديدة ضاغطة، وغير مُستحبة. نحن نعرف أن الأزمات والكوارث جانبٌ مهمٌ من طبيعة الحياة. نفهم أن احتمال وقوعها وارد. غير أننا، وبرغم فهمنا هذا ومعرفتنا تلك، لا نستطيع تقبل فكرة وقوع المصائب لنا. نحن نعرف أن الناس تموت فى حوادث الطرق، ولكن هذا يحدث للآخرين وليس لنا (هكذا نُقنع أنفسنا). نحن نوقن أن الأمراض القاتلة لها نسبة انتشار معينة، وأن هناك احتمالًا لإصابتنا بها، ولكن- فى قرارة أنفسنا- نحن لا نتوقع أبدًا أن نكون مِن بين مَن تصيبهم هذه الأمراض. بل إن الموت ذاته، وهو حقيقة وحقٌ على كل ابن آدم، يظل بعيدًا عن تفكير الإنسان العادى إلى أن يصيب أحباءه أو من حوله فيتعاطى معه كأنه مصيبة «غير متوقعة»!

نفسية البشر، والحال هذه، ليست مصممة للتفكير فى المصائب والنوازل. بل هى تستبعدُ حدوثها بصورة غريزية، وتميل إلى إنكارها وعدم التفكير فيها قبل وقوعها بالفعل. يمكن اعتبار هذا «ميكانيزمًا» مهمًا للتعامل مع انعدام اليقين الذى يطبع تفاعلات الحياة. ذلك أن التفكير الدائم فى احتمالات المصائب والكوارث والأزمات يجعل الحياة، على نحو ما، مستحيلة. والعجيب أن المجتمعات البشرية «مصممة» على نفس هذا النمط. المجتمعات مصممة فى الأساس للتعامل مع «الظروف العادية»، وليس الأحداث الكارثية أو النوازل الطارئة. غير أن تطور العمران البشرى والحضارة (ومعناها الحرفى عيش الناس مع بعضهم فى المدن) جعل المجتمعات تُقيم وزنًا أكبر لاحتمال وقوع الكوارث وتلتفتُ لأهمية الاستعداد لها، إذ إن تجاور أعداد كبيرة من البشر فى مكانٍ واحد (المدينة) زاد من احتمال وقوع الكوارث، فى صورة أمراض معدية، أو مجاعات، أو هجمات من غُزاة. عرف البشر أن الكوارث- كفيضان مدمر أو جفاف يأتى على المحصول- احتمالٌ وارد الحدوث. هو أمرٌ لا يقع كل عام، ولكن وقوعه كفيلٌ بتدمير المجتمع. وبقدر تعقد وتركيب حضارة مجتمع من المجتمعات، تكون قدرته على الاستجابة للكوارث والصمود فى مواجهتها. ومن هنا نفهم مثلًا قصة سيدنا يوسف فى مصر والخطة التى اقترحها للتعامل مع الكارثة الأكثر شيوعًا فى عصر الحضارات الزراعية (الجفاف والمجاعة).


وبرغم المعرفة المتراكمة لدى الناس بطبيعة الأزمات التى يُحتمل أن تواجهها، فلم يكن أمام أغلب المجتمعات حلٌ ناجع لمواجهة الأحداث المفاجئة. السبب أن المجتمعات تجد صعوبة كبيرة فى أن تحشد الجهد والموارد استعدادًا لكارثة قد تحدث أو لا تحدث. المجتمعات، مثل البشر، تُفضل أن تعيش فى «حالة من الإنكار» بشأن احتمال وقوع الكوارث. ثمة صعوبة سياسية كبيرة أيضًا فى إقناع الناس بالتخلى عن جزء من إنتاجهم اليوم، استعدادًا لحدث قد يقع خلال عشر أو عشرين سنة، وقد لا يقع فى حياتهم أصلًا. وحتى مع كل التقدم العلمى الذى حدث فى المائتى عامٍ الأخيرة فيما يخص التنبؤ بالمستقبل والتخطيط له، لا زالت المجتمعات تجد صعوبة فى التعامل مع اللا يقين، أو فى الاستعداد لحدث قد يقع فى المستقبل. هذه «الذهنية» هى أول ما سيتغير فى أعقاب وباء كورونا العالمى.


هذا الحدث هو الأضخم من نوعه فى ذاكرة هذا الجيل. هو لا يُظهِر فقط مدى «القوة التدميرية» لهذا النوع من الأزمات غير المتوقعة، ولكن يكشف كذلك عن فداحة الثمن الذى تدفعه المجتمعات جراء حدثٍ من هذا النوع. «الشبكة الإنسانية» التى نعيش فى ظلها تُضاعف من الأثر التدميرى لأحداث مثل هذه تبدأ صغيرة، ثم تتحرك بسرعة داخل الشبكة أو تضرب أحد خيوطها المفصلية. ومن طبيعة البشر ألا يقتنعوا سوى بما يُمكنهم رؤيته رأى العين، ومعاينته بشكل مباشر. أما وقد رأى الناس ما يُمكن أن يتسبب فيه حدث «غير متوقع» من خراب يلمس حياتهم بصورة مباشرة، فإنهم سيصيرون أشد تقبلًا لفكرة وقوع أحداث مماثلة فى قادم الأيام والسنين، ومن ثم أكثر استعدادًا للتخلى عن جزء معتبر من الموارد (الوقت والجهد والإنتاج) تأمينًا لهم من مخاطر أحداث مشابهة فى المستقبل، حتى ولو كانت نادرة الحدوث.


«الذهنية» التى ستتولد عن هذا الحدث الفاصل هى ذهنية تقيم وزنًا أكبر لاحتمالات الكوارث والنوازل. سينعكس ذلك على اختيارات المجتمعات فى السياسة العامة وتخصيص الموارد. سيزداد الاهتمام بتعزيز قدرة النظم -السياسية والاجتماعية والاقتصادية- على الصمود فى مواجهة الأزمات والكوارث غير المتوقعة. ربما سيسبق هذا اعتبارات الكفاءة والربح. سيصبح الناس أكثر تقبلًا لتخصيص موارد كبيرة لمواجهة أحداث تقع فى دائرة الاحتمال النادر. ستصبح هذه «الذهنية» أساسًا فى تقييم استقرار النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


التفكير الجديد لن يهتم فقط بمدى نجاح النظمSystems -، أى الدول والشركات والمنظمات- واستقرارها «الآن»، وإنما بقدرتها على تلقى ضربات غير متوقعة والصمود فى مواجهتها فى المستقبل. سيصبح هذا المعيار أهم من كفاءة أى منظومة أو قدرتها على تحقيق نتائج مبهرة فى الراهن والآنى.

* نقلا عن "المصري اليوم "

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة