عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

هل سيقضي «كورونا» على ترمب؟

استطاع الرئيس الأميركي ترمب أن ينجو من كل الفِخاخ الحزبية التي وضعت في طريقه؛ من الفخ الروسي إلى الفخ الأوكراني. حاولت قيادات كبرى في الاستخبارات تمقته، تدبير انقلاب أبيض، ولكنهم أخفقوا واستقالوا أو طردوا تباعاً. تسلل صحافيون كارهون له إلى البيت الأبيض لتلطيخ صورته (هل تذكرون الكتاب المدوي «نار وغضب»؟) ولكن شعبيته زادت مع مرور السنوات. لقد كان ترمب بالفعل مثل القط الذي يهوي كل مرة، ولكنه يهبط سالماً على قدميه.
ولكن قبل أشهر قليلة من الانتخابات، أتى على غفلة من العالم فيروس «كورونا»، وخلط الأوراق في كل مكان حتى داخل واشنطن. والسؤال الآن الذي تتردد أصداؤه عالياً: هل سينجو ترمب هذه المرة من هذه الكارثة الطبيعية، مثلما فعل سابقاً في أزمات سابقة أقل حجماً، من تدبير خصومه أو من صنع يديه؟ هل سيقضي عليه «كورونا»؟
لا يستطيع أحد أن يجيب عن هذا السؤال، ولكن هناك ترجيحات وظنون. ومن سوء حظ الرئيس الأميركي أن تأتي هذه الأزمة في هذا التوقيت بالضبط، فلو تقدمت أو تأخرت عاماً فلربما سيكون التعامل معها أسهل. ومع هذا فإن توقعاتي الشخصية أن ترمب سينجح في الفوز في الانتخابات القادمة، رغم المشهد القاتم حالياً. وهناك ثلاث كلمات سر لمثل هذا التخمين، وهي: الصين، وبايدن، والاقتصاد.
أولاً: نجح ترمب في أن يلقي اللوم على الصين في تحمُّل تبعات انتشار الفيروس عالمياً، وهو من أوائل من سمّوه «الفيروس الصيني»، أو «الفيروس من ووهان». وقد وجد من بين أشرس ناقديه من يؤيده في هذه التسمية. وبغض النظر عن كونه مصيباً أو مخطئاً، فإن الرأي العام الأميركي، وحتى العالمي، لا يلوم ترمب على هذه المأساة التي ليست من صنع يده. أي أنه ليس مذنباً؛ بل ينظر إليه - ربما لأول مرة - كضحية مثل غيره، وقد يكون أكبر الضحايا. الانتقادات التي توجه له حالياً هي في طريقته في التعامل مع الأزمة. وصحيح أنه ارتكب أخطاء، ولكن خلية قيادة الأزمة بقيادته استطاعت أن تنجح في التعامل، بشهادة خصومه، مثل حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو.
التوقعات أن نيويورك ستكون مثل بيرغامو الإيطالية؛ حيث تتكدس الجثث وتنقل بمصفحات الجيش، ولكن النظام الصحي في المدينة لم ينهر، وكان هناك فائض في أجهزة التنفس بفضل الحكومة الفيدرالية. من الصعب إلقاء اللوم أو ليّ ذراعه. من جهة أخرى، استطاع أن يقدم نفسه بصورة القائد الذي سيُخرج البلاد من وسط العاصفة، ولهذا ارتفعت شعبيته رغم كثافة الانتقادات والاستهدافات من الإعلام المعادي له. وقد وجّه الرئيس الأميركي إلى منظمة الصحة العالمية التي قدمت أداء مهزوزاً في هذه الأزمة، انتقادات حادة وجدت كثيراً من المناصرين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
اليد الأخرى التي ستساعده هي يد منافسه الديمقراطي جو بايدن، الذي يعيش أسوأ أوقاته. بدا كهلاً معزولاً في قبو منزله، يتحدث لنفسه من دون جمهور محظور عليهم التجمع بسبب الوباء. ظهر مرات عديدة كشخص فاقد الذاكرة، ويعاني لتجميع كلمة مفيدة. حتى في ظروف ترمب الكئيبة فإن بايدن عاجز عن الظهور بصورة المنافس الحقيقي؛ لأنه يفتقد الجاذبية الشخصية القوية، على عكس الرئيس السابق باراك أوباما الذي سيكون بلا شك منافساً شرساً لو كان هو من يرشح نفسه الآن. سجِلّ بايدن الجنسي ليس نظيفاً بالكامل، بسبب اتهامات حقيقية بالتحرش الجنسي بحق موظفة سابقة في مجلس الشيوخ، لم تحظَ بالتغطية الإعلامية المطلوبة بسبب الجائحة، وعدم شهية «الواشنطن بوست» والـ«سي إن إن» لتقديم خدمة لترمب بتلطيخ خصمه مجاناً، ولكنها ستعرقل حظوظه. وقسمت داخلياً الحزب الديمقراطي، إذ أعلنت النائبة من حزبه أوكاسيو كورتيز أن التحقيقات مذكّرة بـ«تاريخه المخيف مع النساء».
أما كلمة السر الثالثة فهي الاقتصاد، وقد نجح ترمب قبل «كورونا» في تقديم سجل ذهبي حتى بشهادة معاديه. بطالة منخفضة، وتوظيف مرتفع، وضرائب أقل، ولكن كل هذا الإرث تحول لأنقاض مع وصول الفيروس للشواطئ الأميركية، وانتشاره مخلفاً خسائر جسيمة. إذا استطاع ترمب أن ينعش الاقتصاد خلال الشهور القادمة، مع التراجع المتوقع للوباء، وعودة الحياة الطبيعية تدريجياً، وهذا ما يسعى إليه حالياً، فإنه سيضمن بلا شك مكانه رئيساً لأميركا لأربع سنوات قادمة.
ولكن من المناسب أن نطرح السؤال التالي: على مستوى دولي، وتحديداً منطقتنا المضطربة، هل يستحق ترمب فترة ثانية؟
لقد قضى على أشهر إرهابيين: سليماني والبغدادي، في ثلاثة أشهر، وحاصر النظام الإيراني المصدر الأول للقلاقل في المنطقة بشكل غير مسبوق، وحارب الميليشيات التابعة له، وساهم في تدمير تنظيم «داعش». هذا سجِلّ ناجح رغم الخطأ الاستراتيجي في التهاون مع أصل المشكلة، وهو الإغماض عن الدول التي تدعم الجماعات المتطرفة والتنظيمات المتشددة وتمدها بالحياة. ومع هذا هو سجل ناجح يؤهله لإكمال ما بدأه، رغم آراء المعلقين الذين ينادون برحيله باسم «الشعبوية».

لكن أليس من الأفضل أن نحصل على زعماء «شعبويين» يفتقدون اللباقة، ولا يترددون في قتل الوجوه القاسية الملطخة أيديها بدماء الأبرياء، وتحويل جثثهم إلى كومة أشلاء، بدلاً من زعماء مصقولين معسولي اللسان، يتحدثون عن القيم العالمية علناً، ويعقدون الصفقات سراً مع حفاري قبور الأطفال السوريين والعراقيين، والقائمة طويلة؟


نقلا عن الشرق الاوسط

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة