عاجل

البث المباشر

إبراهيم الجبين

<p>كاتب سوري</p>

كاتب سوري

ما بعد عصر الديجيتال

سنسمع استعمالات جديدة لتعبير عصر الديجيتال كثيرا خلال الفترة الحالية والطور القادم من الانتقال النوعي في العالم. ليس بالضرورة بسبب عواصف الفايروس وحدها، بل لأن البشر تذوقوا أخيراً طعم التفاعلات الجديدة مرغمين هذه المرة وراغبين في المرات القادمة، فعُقدت قمم بين قادة كبار وأديرت اجتماعات بين حكومات ودارت تروس شركات عملاقة عبر الجسور الجديدة للتواصل.

ملامح ما بعد عصر الديجيتال آخذة بالارتسام يوماً بعد يوم، وسيكون التلفزيون أول أبطالها بعد أن تنتفي الحاجة إليه كجهاز، بل كمحتوى.

فالمشاهدون ليسوا "بعازة" تلك السلسلة الإدارية المعقدة التي تقوم عليها نشرات الأخبار على سبيل المثال، ولا حتى لخيارات المحرّرين في تأخير هذا الخبر أو ذاك أو تقديم أحدهما على الآخر، بل إن السيد الناظم لهذا كله سيكون حرية اختيار المستخدم، كما في منصات المشاهدة الشهيرة اليوم؛ نتفليكس وغيرها. ولن يكون على المستخدم المشاهد حينها سوى أن يختار ما يريد الإصغاء إليه، والباقي سيكون من دوائر اهتمام الآخرين.

ما التغيير الذي سيحدثه عصر الديجيتال في نمط التلقي أيضاً؟ هناك الصحف والمجلات والكتب ذاتها، وهناك فوق ذلك أسلوب الكتابة ذاته. وكما يجري الحديث عن تقارير تلفزيونية يكتبها ويعدّها ويقدمها ويضع لها المؤثرات السمعية والبصرية ويخرجها شخص واحد، فإن مهامّ كثيرة كانت تثقل الميزانيات في بقية فضاءات النشر باتت اليوم عرضة للاختزال. لا المهام وحدها، بل المضمون الفائض عن حاجة الزبون. وهذا سيعني عدم التسامح مع أيّ محتويات متوسطة القيمة فكيف بتلك المنخفضة أو الرديئة منها.

ليس هذا وحسب، بل إن المضمون ذاته، سيتم "تحسينه" وفقاً لمتطلّبات السوق، فلم يعد من الممكن مواصلة نشر الصور المروّعة والمصوّرة بشكل بدائي أو تلك التي تنقل مناظر بائسة أو حتى تلك المصنوعة بابتذال عن عالم الثراء والأثرياء. قيم بصرية وتحريرية جديدة تتخلّق لتكون جاهزة لاختيارات المستهلكين. وهذا سوف يحتاج تدخلات سياسية وعسكرية وإدارية هائلة في أنحاء عديدة من نطاق تغطية عين عصر الديجيتال الجديدة.

وكما تقول أنت "لن أشاهد فيلماً رديء الصناعة" فتسارع هوليوود إلى تحسين صناعة السينما بأعلى الميزانيات، ستقول أنت بنفسك بعد قليل "لن أشاهد حدثاً رديء الصناعة" فيسارع صنّاع الحدث وأصحاب القرار إلى تقديم النسخ الأفضل منه وفقاً لأعلى المعايير العالمية.

لا أؤمن بالتشاؤم التاريخي، ولا أعتقد أن العلم سيُحضر لنا إلا ما هو أفضل، ولذلك سيواكب كل تلك التغيّرات الكبرى ما فيه الخير لمستقبل البشرية بالضرورة، فـ"الأفضل" هو الخيار الوحيد الذي تتقاطع فيه مصالح الجميع، أما الوسط والعادي فيذهب جفاء وتذروه الرياح.

رمضان كريم.

*نقلاً عن صحيفة "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات