عاجل

البث المباشر

«الزيرو» و«الذروة» وأشياء أخرى!

الخط المستقيم يصل بين نقطتين، أما أزمة «الكوفيد-١٩» فهى تصل ما بين ثلاث نقاط: أولاها النقطة «زيرو»- أو الصفر- أول من وصل إليه العدوى، وهذه أهميتها أنها تعين العاملين بالصحة العامة على تقصى المخالطين ومن انتقلت العدوى لهم أو كان الانتقال احتمالًا ينبغى التأكد منه؛ وثانيتها نقطة الذروة التى يصل عندها عدد المصابين إلى حده الأقصى الذى لا ارتفاع بعده حينما لا يزيد العدد اليومى للمرضى، ويكون من أضيف أقل من عدد الذين يشفون ويخرجون من دائرة الإصابة؛ وثالثتها العودة إلى الحياة الطبيعية والتى تنتهى فيها كل إجراءات العزل، والاحترازات الاستثنائية الضرورية، وساعتها يصير الكورونا مثله مثل بقية الأمراض التى يعرف المواطن احتياطاته الواجبة، ويعرف الأطباء لقاحاتها وأدويتها. ما بين النقاط الثلاث تعيش دول العالم ومواجهة الوباء، وتحاول وفقًا لظروفها التوافق مع ما يجعل الرحلة بين المراحل تأخذ أسرع الأزمنة، وأقل التكاليف فى النفس والمادة، وفى كل الظروف فإنها تعلم أن الأزمة عندما تنتهى وتعود الحالة الطبيعية فإنها لن تكون حال ما كنا عليه قبل الأزمة، سوف يكون الأمر اعتيادا جديدا. سوف يكون هناك حزن على من فقدوا، وأسف على ضياع زمن ومال؛ ولكن سوف يكون علينا أن نعمل جاهدين على انتزاع الفرص التى لاحت، وربما العمل على ألا يحدث ذلك مرة أخرى. وهذا بدوره يتطلب فحصا دقيقا لعملية الانتقال من نقطة إلى أخرى.

فى معظم دول العالم يجرى البحث عن الفتى أو الفتاة «زيرو» التى بدأت عنده دورة انتشار المرض، ولكن العالم ذاته يبحث لأبعد من ذلك متى وأين حدثت اللحظة الأولى لميلاد الفيروس القاتل. القصة الشائعة وغير المؤكدة، أنها بدأت بتحول Mutation فى أحد الفيروسات الشائعة فى إصابة الجهاز التنفسى جرت داخل «خفاش» تعيس كان موجودا فى مدينة «يوهان» الصينية الواقعة فى مقاطعة «هوبى» الصناعية والمعروفة بكثرة المصانع التى تعمل كحلقة هامة من حلقات المصنع العالمى الذى تتداوله الكثرة من بلدان العالم، ومن ثم هناك كثافة فى التواصل والانتقال من الصين إلى قارات العالم الأخرى. الخفاش هو من الحيوانات الثديية التى تطير بفعل أطرافها الأربعة التى صارت أجنحة، وهى تتغذى على الثمار من الفواكه، وفى بعض أنواعها على الدماء؛ ولسوء الحظ فإنه فى بعض مناطق العالم بما فيها الصين يعد نوعا من الغذاء. المعضلة فى الأمر أن «الخفاش» رقم صفر غير معروف، وما يتردد عنه ليس سوى نظرية، وإذا كان هناك تحول يجرى داخله فهل جرى مثل ذلك فى خفافيش أخرى فى الصين أو فى العالم أيضا؛ والأهم كيف انتقل إلى الإنسان، وهل يمكن انتقال الفيروس بعد طبخه وتحوله إلى ما هو مشوى وما هو حساء، وفى الحالتين هل الخفاش ميتًا يقاوم الفيروس الحرارة؟


الفكرة فيها الكثير من الشكوك، ولكن الفكرة البديلة عن وجود الفيروس المتحول فى أحد مراكز البحث الصينية حسب الاتهامات الأمريكية، ومؤخرا الأوروبية، أو فى المعامل الأمريكية حسب الاتهامات الصينية، فإنها على الأغلب لا تؤدى إلى «الفتى زيرو» وحده وإنما إلى انفلات يخلق جماعة صفرية لا يعلم أحد أين وجدت وكيف قامت وتحركت. ولعل ذلك إحدى المعضلات فى التعرف على «الذروة» التى لم تعد رقما أو نسبة يمكن تحديدها وتعريفها، ولكنها حالة يصل فيها عدد الضحايا إلى القمة رغم كل الإجراءات الاحترازية، وهى تشبه تلك الحالة فى الروايات والقصص التى تصل فيها تعقيدات المواقف والأحداث والأطراف إلى القمة لكى تمهد للحالة المقبلة من الانفراج. لاحظ هنا أن الفيروس ليس وحده فى تفاعلات القصة كلها، فهناك الدولة، وانصياع المجتمع للتدابير الواقية، ومدى استعداد الجهاز الطبى للتعامل مع حالة استثنائية.


الوباء فى هذه الحالة يصبح فى التاريخ البشرى مثل الثورات والحروب التى لا تحدث كل يوم، وإنما فى ظروف استثنائية نوعية وتاريخية. يصبح البلاء واختباره نوعًا من الذكرى القاسية التى يود المرء الذى شهدها ألا تعود مرة أخرى، ولعلها هكذا هى التى تجعل العودة إلى الحياة الطبيعية رغم ما فيها من بشرى محملة بالكثير من المرارة. هذه معركة لا يأتى بعد الانتصار فيها الكثير من الفرح، فلا يوجد مثل هذا بعد فراق الأحباء والأصدقاء، ولا يوجد مثل هذا القدر بعد قياس حجم الخسائر ومعه الوقت الضائع؛ ولكن الحياة بعد ذلك تمضى فى طريقها كما حدث قبل آلاف الأعوام لكى تضفى التوازن والتواضع على البشر.

نقلا عن المصري اليوم

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة