عاجل

البث المباشر

ألمانيا.. بين ممارسات حزب الله و"عقدة" النازية

خرجت إيران بعد أقل من 24 ساعة على تصنيف ألمانيا لحزب الله "منظمة إرهابية" لتعود وتروّج لنظرية المؤامرة عليها وعلى ميليشياتها وتصوّرهم كأنهم "ضحية". هو مبدأ "ضربني وبكى.. سبقني واشتكى" الذي انتهجته إيران داخل حدودها وخارجها. اعتادت هذه الدولة على انتهاك القوانين الدولية والحقوقية والإنسانية، ومتى واجهت ردّ فعل على ممارستاها دافعت عن نفسها بالترويج لـ"نظرية المؤامرة" التي تُحاك ضدها. للمفارقة أتى ردّ الفعل هذه المرّة من ألمانيا، هذه الدولة العريقة والمشهود لها بأنها تبدّي الحريات العامة وتكرّسها أكثر من أي دولة في المعمورة. هي برلين التي تعيش وزراً ثقيلاً حملته منذ أيام النازية وعملت في قوانينها وممارساتها القانونية والسياسية على محاولة تصحيح الماضي وتبييض هذه الصفحة الدموية والسوداء من تاريخها. وهنا يُطرح السؤال الأساسي: ماذا فعل حزب الله ومن ورائه إيران لـ"يُجبرا" ألمانيا على اتخاذ هذا القرار وحظر نشاط هذه الجماعة.

لطالما أمسكت ألمانيا عصا سياستها الخارجية من وسطها، فبالرغم من العقدة النفسية التاريخية الناتجة عن الهولوكوست وتصحيح علاقتها بإسرائيل، لم تقع تحت ابتزازهم بمدهم بما يطلبونه، بل بالمقابل متّنت علاقاتها الودّية مع البلدان العربية وتعهدت تجاه الفلسطينيين بتدريب قوات الشرطة على سبيل المثال لا الحصر.

في الموازاة، وفّرت ألمانيا لحزب الله ومن خلفه إيران الملاذ الآمن على أراضيها، بعد أن سعت في العام 2006 لإنهاء حرب تموز. بعدها.. ومن المرّات النادرة ساهمت البحرية الألمانية بتسيير دوريات روتينية لها مقابل السواحل اللبنانية للحفاظ على مقتضيات وقف النار الذي أقره مجلس الأمن، وبقي جهاز المخابرات الألماني (بي أن دي BND) على تواصل مع حزب الله مذّاك. لاحقاً، عرضت الأمم المتحدة تبادل أسرى بين إسرائيل وحزب الله فوافق حسن نصر الله على الرعاية الأممية للعملية بشرط أن تكون ألمانيا الوسيط المباشر في عملية التبادل. وتكررت الوساطة الألمانية لعدة مرات متتالية، وأشاد حسن نصر الله بثقة حزب الله بالدور الألماني الذي وصفه بـ"النزيه" وفق تعابيره.

منذ فترة الحكم النازي الذي بطش بالعنف وبالقهر وغلّ الأفواه وضرب الأحزاب والجمعيات على اختلافها، عاشت ألمانيا "عقدة ذنب" فسنّت قوانين صارمة تصون الحريات العامة (منها حرية التجمع والتنظيم وحرية القول والتعبير) تحت رقابة القضاء الألماني المشهود له باحترام القوانين وتغليب الأحكام الدستورية وعلى رأسها تلك المتعلّقة بالحريات العامة. اختار حزب الله - ومن ورائه إيران - ألمانيا ملاذا آمنا له وموطئ قدم ثابت في انتشاره الأوروبي مستغلاً هذه القوانين وأبهى صور الديمقراطية العصرية المطبقة هناك.

أباحت ألمانيا لحزب الله العمل السياسي على أراضيها بحرّية. نظم خلاياه النائمة والمتحركة ومارس تحركاته السياسية وصولا إلى تنظيمه كل عامٍ "يوم القدس" في برلين تحت راياته الحزبية وبيارق الحرس الثوري الإيراني معربا علناً عن معاداته ليس فقط للسامية (وهو مرفوض في ألمانيا)، بل معاداته أيضاً للغرب عموماً وتوعده الاقتصاص من بلدانه ومصالحها. رغم ذلك بقيت برلين متهاونة مع الحزب. لا يمكن فهم القرار الألماني المستجدّ بدون التطرّق للمعلومات التي جمعتها برلين قبل اتخاذ قرارها وما كشفته وبيّن لها أن الحريات والأمن القومي الألماني والأوروبي لا يمكن وضعهما في الميزان نفسه.

فماذا اكتشف الألمان إذن؟

أنشأ حزب الله خلاياه التي زادت في سنة واحدة على 950 عنصرا في مدينة بريمن وحدها، فيما بلغت في مقاطعات نورد راين وفستفاليا وساكسون ما يقارب 3000 عنصر. مهمة هذه العناصر لم تقتصر على جمع نشاط سياسي يندرج تحت حربة التعبير والرأي بل تخطتّها ـ وفق ما جمعته تقارير الاستخبارات الألمانية والأوروبول من معلومات ـ لمراقبة المجموعات الإيرانية المعارضة، وتمّ اغتيال بعض محازيبها في ألمانيا واللحاق بالبعض الآخر إلى هولندا وتصفيتهم هناك. أضف إلى ذلك، تنفيذ عملية انتحارية في بورغاس البلغارية في يوليو 2012 (اتهمت بلغاريا حزب الله بالتخطيط والتنفيذ لتفجير حافلة الركاب بعد تأكيد هوية المهاجمَين). استمر حزب الله انطلاقا من ملاذه الألماني الآمن بمراقبة البعثات الدبلوماسية في أوروبا لا سيما الأميركية منها وفق تصريحات أوروبية وأميركية رسمية.

لم يكتف حزب الله بذلك، بل عمد إلى دفع خلاياه لممارسة أفعال جرمية، حيث وثّقت تقارير استخباراتية ألمانية وأوروبية تجارته بالمخدرات وتهريبها من شرق البحر المتوسط إلى ألمانيا ومنها إلى بقية البلدان الأوروبية، وربط تجارته هذه من أميركا اللاتينية عبر شمال إفريقيا وغربها. تولّى سرقة السيارات الفخمة وتزوير أوراقها وتصديرها إلى العراق وسوريا وليبيا ولبنان، وغسل الأموال باستبدالها بعقارات بيعا وشراء وبتملك محطات محروقات. هذه التجارات غير المشروعة وبعد تبييض أموالها عمد لشراء الأسلحة والمعدات والتكنولوجيا، وانكشف كل ذلك مع اكتشاف ألمانيا ضلوع شـركة الطيران "ماهان إير" الإيرانية في نقل المشتريات تلك إلى لبنان وسوريا وإيران، فحظرت برلين شركة "ماهان إير".

سابقا رفضت ألمانيا بعناد إدراج الجناح السياسي لحزب الله على لائحة الإرهاب بالرغم من أن قرار أوروبا الموحدة في العام 2013 اعتبر الجناح العسكري للحزب جزءا من الإرهاب الدولي. وبالرغم من المطالبات الداخلية المرفوعة من قوى سياسية ونواب وأحزاب ألمانية قاوم الحزب الحاكم برئاسة المستشارة ميركل إدراج الجناح السياسي لحزب الله على لائحة الإرهاب. في المقابل، لم يراعِ حزب الله مجريات الحياة السياسية الألمانية وواصل نهجه الإرهابي حتى تكدّست ملفات الارتكابات الجرمية وارتفع صوت العدالة الألمانية لتُعلن برلين في آخر شهر أبريل الفائت حظرها كل نشاطات حزب الله وتصنيفه منظمة إرهابية لا تفرّق بين جناحيه السياسي والعسكري.

بالخلاصة، يبدو أن إيران التي تتهم العالم بـ"مؤامرة" غير مكتملة الأركان والمعطيات، تآمرت طهران نفسها على تلك البلدان وبالأدلة الدامغة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات